الخنساء مجدي تكتب : من لندن إلى الهدنة … والخيط واحد

في لحظةٍ يتقدّم فيها الجيش السوداني بثباتٍ على الأرض، وتعلو فيها رايات النصر فوق جبال النوبة و وديان كردفان وتُشدّ الأبصار نحو دارفور بوصفها المعركة الفاصلة، يخرج علينا مشهدان متوازيان لا يجمعهما سوى العجز:
تحالفٌ سياسي يطوف العواصم الأوروبية بلا أثر، ووسيطٌ دولي يعيد تشغيل أسطوانة هدنة مشروخة لإنقاذ مليشيا تحتضر.

قدّم تحالف (صمود) جولته الأوروبية خاصة محطة لندن باعتبارها اختراقًا سياسيًا مهمًا، ورسالةً إلى مراكز القرار الدولي. لكن قراءة هادئة لما جرى بعيدًا عن الصور المصقولة والبيانات المنمّقة تكشف حقيقة أقل بريقًا:
نشاط إعلامي كثيف … مقابل مردود سياسي شبه صفري.

نعم كان التنظيم شبه جيّدًا من حيث الشكل لقاءات متنوّعة، مراكز أبحاث، وجلسات مغلقة، وبرلمانيون من الصفوف الخلفية. لكن هذا “التنوّع” لم يتجاوز كونه ديكورًا يوحي بالاتساع دون أن يفضي إلى موقف رسمي واحد أو بيان حكومي واحد، أو حتى إشارة عابرة من الخارجية البريطانية.
صمت بريطاني رسمي كامل

السؤال الذي لم يجب عليه التحالف وما زال يتفاداه هو سؤال التمويل؟
من موّل هذه الجولة المكلفة ؟؟
من تكفّل بتذاكر الطيران، والإقامة، والقاعة، والتصوير، والتنقّلات؟

المعطيات المتاحة تشير بوضوح إلى أن الجولة لم تكن جهدًا ذاتيًا خالصًا بل ثمرة تنسيق مع جهة راعية، وبوساطة شبكات سودانية في لندن ذات علاقات سياسية متداخلة.

ومن ناحية أخرى لا يمكن تجاهل الحضور المتكرر للسفيرة البريطانية السابقة “روزالدينا ماردسن” في أكثر من محطة مشاركتها في فعالية تشاتام هاوس قد تكون مفهومه ومفسرة بحكم علاقة المهنية لكن تكرار حضوره في لقاءات برلمانية وندوات مدنية خارج إطاره المؤسسي يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة الدور
هذه الحضور المتكرر يوحي أن العلاقة تجاوزة الدور الأكاديمية و المهني فهي أقرب إلى شركة غير معلنة ودعم مطلق

في التوقيت ذاته خرج مسعد بولس ليعيد تشغيل أسطوانته المعتادة:
الهدنة، الرباعية، المساعدات، والوعود.

قال إن هناك “اتفاق سلام” مقبولًا من الطرفين.
مكون من ثلاث نقاط :
هدنة إنسانية ممرات آمنة، انسحاب من “بعض المناطق”.

لكن البرهان، في خطاب مقتضب وحاسم، نسف الوهم كله:
«لا هدنة ما دامت المليشيا تحتل المدن».

و لا تفاوض تحت مظلة رباعية تضم الإمارات. والهدنة مقبولة فقط بشرط واحد لا ثاني له: انسحاب المليشيا من المدن إلى معسكراتها.

أما صيغة بولس الملتوية – “انسحاب الطرفين من بعض المناطق” – فهي محاولة مكشوفة لإنقاذ مليشيا محاصَرة عبر إعادة تموضعها لا عبر إنهاء احتلالها.

*السؤال الذي يطرح نفسه يا بولس*

من أين ينسحب الجيش؟
وإلى أين؟
ومن يضمن مليشيا خبرها السودانيون كذبًا ونكثًا؟

ثم تأتي وعود المليارات
مؤتمر بعد مؤتمر… والحصاد رماد.

باريس تعهّدت ولم تدفع.
الأمم المتحدة على شفا الإفلاس.

حتى المراقبون الغربيون وصفوا المشهد بأنه “غسل مساعدات” لتلميع أدوار معروفة لا جهدًا إنسانيًا حقيقيًا.

ما يجمع جولة (صمود) الأوروبية وخطاب الهدنة هو شيء واحد:

جولة صالونية وهدنة بلا انسحاب
وخطاب إنساني لتجميد معركة يقترب فيها الحسم.

لكن الشارع السوداني سبق الجميع.
قال كلمته :
*الجيش الذي قاتل حين خذله العالم لن يوقّع صك نجاة لمليشيا تغرق*

ما يُعرض اليوم ليس سلامًا…
إنه طوق نجاة أخير.

Exit mobile version