
نبدأ بالتحية والتجلة لبواسل السودان، الجيش السوداني العظيم، وجميع مسانديه الذين تداعوا من كل حدب وصوب، مجسدين معنى القومية وهم يتدافعون نحو الميادين شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، للذود عن حياض الوطن ودحر مليشيا مدعومة خارجيًا، كادت أن تفتك وتضع يدها النجسة على السودان، لولا سواعد هؤلاء الشجعان الذين أُريقت دماء الكثير منهم، قادةً وجنودًا، لتعطّر ثرى تراب الوطن، فيما ظلت البقية تندفع، وإلى الآن، تفتح صدورها للموت دون هوادة.
قلتُ القوات المساندة جمعاء، ولهم منا السلام وهم يشيعونه أمنًا لنعود مرفوعي الرأس على حاملة جهادهم. وهنا أخص القوات المشتركة التي قدمت ولم تستبق، وحتى اللحظة لم تهادن أو تتخاذل أو تتراجع، وما زلنا ولن نتراجع عن تكرار العبارة المشهورة: (مورال مورال مورال فووق)، فهي حق مستحق لأبناء غربنا الحبيب، ردّ الله غربة أهله، وأبدل أحزانهم أفراحًا، وجبر كسرهم، وعظّم أجرهم.
لكن، وبما أن لكل قاعدة شواذ، فقد شذّ البعض منهم في تصرفات نقيضة تمامًا لما يقدمه رفاقهم في الميدان. تصرفات سلبية طائشة انتظمت العديد من الولايات، فما من حادثة فوضوية إلا وكان خلفها بعض جنود المشتركة، بما في ذلك الولايات الآمنة حتى ما قبل الحرب، والتي لم تشهد أيًا من مناطقها فتنة أو حوادث باستخدام السلاح كما يحدث الآن.
تفلتات بعض أفراد المشتركة في الولايات لا تخطئها عين، وكل من قرأ كلماتي هذه في أيٍ من الولايات يستدعي حوادث وقعت بفعلهم، وهم يثيرون الذعر بزيهم وتشكيلاتهم العسكرية، واستعراض القوة خارج الأطر القانونية، في تجاوز واضح للأعراف المجتمعية والقوانين المنظمة، بما يخلق حالة من القلق والهواجس.
دعونا نقتفي الصراحة والوضوح فيما يجري بلا مجاملات، لجهة أن ما يحدث فعليًا مثير للرعب والذعر، ومحرض للهواجس والظنون، ونحن ما زلنا في خضم تجربة قاسية كانت كلفتها باهظة على الوطن والمواطن، دون الخوض في تفاصيلها المعايشة حتى وقته.
الشواهد والروايات حول ذلك عديدة؛ هناك من عايشها، وهناك من قصّها عن استيثاق. وما ظلت تورده الزميلة الاستقصائية هاجر سليمان يشيب له الولدان من فرط هوله، وهؤلاء الأفراد يمارسون كل ألوان الفوضى، متكئين – ومن عجب – على كونهم أفرادًا في قوات مشتركة يفترض ان تكون في مقدمة حماية المواطن لا مصدر تهديد له.
ليس خافيًا على أحد الدور العظيم الذي تقوم به الشرطة السودانية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، والاستخبارات العسكرية)، وكان لهم القدح المعلّى في تأمين العاصمة القومية والولايات، والضبطيات اليومية لهم تقف شاهدًا على ذلك.
كذلك نعي دورهم في تفريغ العاصمة القومية من التشكيلات العسكرية امتثالًا لقرار رئيس مجلس السيادة، القائد العام للجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وقد كان ذلك إلا ممن أبى.
ومع كل ذلك، لم تخلُ العاصمة والولايات منهم بصورة كلية، وليس ذلك فحسب، بل ان ثمة احتكاكات غير معلنة بينها والشرطة تبدت في عدد من المواقف، ابتدأت ببيان الأولى، ولم تنتهِ بتوضيح الشرطة أمس حول حادثة القسم الشمالي، والذي جاء كمن يستخدم (لهاية) على فم طفل، فلم يُزل اللغط بل زاده غموضًا.
إن كانت الجهات الأمنية تسعى لطمأنة الشارع السوداني وإزالة هواجسه، فلتفعل ذلك عمليًا بوضع حد لهؤلاء بأي صورة كانت، ونحن نعلم حنكتكم ودبلوماسيتكم الأمنية. ثم إلى متى سينظر قادة الحركات لهذه الفوضى من بعض منسوبيهم؟ ولم لا يرعونهم بأي شكل؟ فهم يتحملون المسؤولية كاملة في ضبط منسوببهم، أو إعلان موقف واضح يتيح للأجهزة المختصة القيام بواجبها كيفما اتفق.
إن احترام عقل المواطن، ووضوح الرسائل الرسمية، والالتزام الصارم بالقانون غاية في الأهمية. وعلى سبيل المثال، كيف يعقل أن تعمل الشرطة والأجهزة الأمنية على إفراغ العاصمة من التشكيلات العسكرية، وفي الوقت نفسه تشركهم معها في حملاتها ضد المظاهر السالبة ( حسب بيانها) ، وهم أكبر مظهر سالب؟ وكيف لنا ان ننقل عنكم قراراتكم ، ثم تأتون لتنقضوها ؟ في وقت لا يحتمل فيه السودان مزيدا من الإرباك أو التناقض في الخطاب والممارسة؟
ما يجري ليس تفصيلًا عابرًا ولا مادة للتبرير، بل إنذار حقيقي إن لم يُتعامل معه بحزم. فالفوضى، مهما تلثمت بالشعارات، تظل فوضى، وعدوًا صامتًا لما تبقى من ثقة وأمان.


