الدبلوماسية السودانية حضور فاعل لا غيبوبة مفتعلة 

الحاكم نيوز :

*كلام سياسة الصافي سالم*

طالعت اليوم ما كتبه الكاتب الصحفي الصديق العزيز محمد عثمان، الذي لم أختلف معه من قبل إلا هذه المرة، في مقاله بعنوان “غياب دبلوماسية السودان تسلّم المعركة للخصوم”. وهو عنوان ينطوي على حكمٍ قاسٍ لا يستند إلى دليلٍ قوي بقدر ما يستند إلى الانطباع والتعميم، ويغفل عمداً أو سهواً الجهد الدبلوماسي الواسع الذي ظل يُبذل في واحدة من أعقد المراحل التي يمر بها السودان في تاريخه الحديث.أول ما ينبغي تأكيده هو أن معركة السودان الخارجية لم تُترك بلا حراس، ولم تُسلَّم للخصوم، بل خيضت وما تزال بأدوات مختلفة، ووفق حسابات دقيقة تراعي تعقيدات المشهد الدولي وحدود الممكن وطبيعة التوازنات في زمن الحرب المركبة. إن تصوير سفارات السودان في أوروبا وكأنها بلا دور ولا رسالة يتجاهل حقيقة راسخة مفادها أن العمل الدبلوماسي لا يُقاس بالضجيج الإعلامي، ولا بعدد البيانات المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي، بل بما يُنجز داخل الغرف المغلقة وفي أروقة وزارة الخارجية والتعاون الدولي ومراكز صنع القرار المختلفة.لقد اضطلعت وزارة الخارجية والتعاون الدولي، بقيادة السفير محيي الدين سالم، بمساندة الوكيل الشاب معاوية عثمان خالد، ومعه السادة السفراء والدبلوماسيون العاملون بالخارج، بدورٍ محوري تمثل في: تثبيت شرعية الدولة السودانية ومؤسساتها في المحافل الدولية.. كبح محاولات اختطاف تمثيل السودان عبر قنوات موازية وغير شرعية. إيصال ملف الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع إلى الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والآليات الدولية المختصة. منع صدور قرارات دولية كانت ستُشكل ضغطاً مباشراً على الدولة السودانية وقواتها المسلحة.أما الحديث عن “تحركات وفود صمود بحرية في العواصم الأوروبية” في مقابل “غياب السفارات”، فهو خلطٌ متعمد بين النشاط السياسي غير الرسمي والعمل الدبلوماسي السيادي. فالدولة لا تُدار بمنطق الجماعات، ولا تخوض معاركها الخارجية عبر وفود بلا صفة قانونية، مهما علت أصواتها أو كثرت لقاءاتها.وفيما يخص الكلفة المالية للسفارات، فإن تحويل هذا الملف إلى اتهام مباشر يُعد تبسيطاً مخلاً، لأن وجود البعثات الدبلوماسية في حد ذاته خط دفاع سيادي لا يمكن تقييمه بمنطق الربح والخسارة المالية، خاصة في زمن تتعرض فيه الدول لمحاولات العزل والوصاية.أما الإشارة إلى بعض الحالات الإدارية الخاصة كسفراء لم يباشروا مهامهم أو تم استدعاؤهم فهي أوضاع معروفة في العمل الدبلوماسي، وترتبط بعوامل سياسية وأمنية في دول الاعتماد، ولا تعكس بحالٍ من الأحوال ارتجالاً أو غياباً للمؤسسية، بل تعكس إدارة مرنة لظروف استثنائية.والأهم من ذلك، أن اختزال أداء وزارة الخارجية في شخص الوزير، أو تحميله وحده مسؤولية تعقيدات المشهد الدولي، طرحٌ غير منصف؛ إذ إن السياسة الخارجية تُدار ضمن منظومة دولة كاملة، وتحت سقف قرارات سيادية وبالتنسيق مع مؤسسات متعددة.نعم، يمكن بل يجب تطوير الأداء وتعزيز أدوات العمل الدبلوماسي وتعزيز الحضور الإعلامي الخارجي، لكن النقد المهني يختلف جذرياً عن إصدار أحكام كلية تُضعف الثقة في مؤسسات الدولة وتخدم من حيث لا يُدرى الرواية التي تسعى المليشيا وحلفاؤها إلى تكريسها.إن معركة الكرامة ليست عسكرية فقط، كما أنها ليست دبلوماسية فقط، بل هي معركة دولة كاملة يخوضها الجيش في الميدان، ويخوضها الدبلوماسيون في الخارج، كلٌّ في ساحته وبما تتيحه الظروف والإمكانات. والعدل كل العدل أن يُذكر هذاالجهد، لا أن يُمحى بجرة عنوان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى