الصافي سالم يكتب : كلام سياسية … كّةُ سفرٍ عهدِ هارون الرشيدالخرطوم تبكي وهي تعود واقفة

ليست كلُّ الطرقِ طرقًا، فبعضُها ذاكرةٌ تمشي على الإسفلت.وأنا أعبر سِكّة السفر من بورتسودان، عروس البحر الأحمر، إلى الخرطوم عاصمة المجد والأجداد، شعرتُ أن الطريق والمدينة معًا تُطالعاني بعيونٍ متعبة، وبيوتٍ جريحة، وصمتٍ أثقل من الدخان. كان حزنٌ كثيفٌ يسبقني، لكن خلفه كان يقف معنى آخر؛ معنى الثبات الذي لا ينكسر. في ولاية الخرطوم، ومنذ اندلاع الحرب، ظل واليها الفارس أحمد عثمان حمزة نموذجًا نادرًا للصمود؛ شامخًا كالجبل، ثابتًا كصخرةٍ في مجرى النار. لم تُزحزحه الدانات، ولم تُربكه المسيرات. وقف في العراء حارسًا للفكرة، مؤمنًا بأن الخرطوم لا تُغادر أهلها، وأن العودة ليست شعارًا يُرفع، بل طريقًا شاقًا لا يسلكه إلا الرجال.على تلك السِكّة، رأيتُ الخراب، لكني رأيتُ أيضًا الإرادة وهي تُعيد ترتيب أنفاسها. لم تكن العودة ممكنة لولا جهودٍ متراكمة تصدّرتْها قيادةُ الدولة؛
سعادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، وقادة القوات المسلحة، والأجهزة الأمنية، والشرطة، الذين ثبّتوا المعنى قبل أن يُثبّتوا المواقع، ودماء شهداء معركة الكرامة الذين روَوا بدمائهم الطاهرة أرض السودان، فكانت الدماء خارطة طريق، وكانت التضحيات جسر العبور.وكان لعمل رئيس لجنة تأهيل ولاية الخرطوم، سعادة الفريق أول ركن إبراهيم جابر، أثرُه الواضح؛ يدٌ تُرمِّم، وعقلٌ يُخطِّط، وخطوةٌ لا تتراجع.وفي قلب المعركة الاقتصادية، وقفت وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي بقيادة الدكتور جبريل إبراهيم سندًا للدولة في بواكير الحرب، وفي معركة إعادة الإعمار والعودة، بقيادةٍ واثقة جعلت من الاقتصاد مُثبّتًا للدولة لا عبئًا عليها. وأيضا الدور الكبير لـ الأستاذ عبدالله إبراهيم، وكيل وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، ذلك “الدينمو” الذي حرّك ملفات الإعمار والعودة بعزيمةٍ لا تعرف التكلّف، ومعه العاملون بالوزارة الذين حملوا العبء بصمتٍ وعمل.وعلى خطٍ موازٍ لا يقل أهمية، كانت الدبلوماسية تخوض معركتها خارج الحدود. فقد اضطلع السفير محي الدين سالم، وزير الخارجية والتعاون الدولي، بدورٍ محوري ومفصلي، بوصفه مفجّر الدبلوماسية الشعبية، يقود مع إخوته السادة السفراء جهدًا متواصلًا، عملوا ليل نهار لإيصال صوت السودان إلى المحافل الدولية والإقليمية، وعبر أروقة الأمم المتحدة. كان ذلك حراكًا واسعًا أعاد تعريف الرواية السودانية للعالم، وثبّت عدالة القضية، وفتح نوافذ الفهم والتضامن في زمن الالتباس.وتقديرٌ خاصٌ يليق بما قدّمه سعادة الفريق محمد الغالي، الأمين العام لمجلس السيادة، وأركان الأمانة العامة؛ عملٌ متواصلٌ ليلًا ونهارًا، حتى تصبح العودة ممكنة لا مؤجَّلة، وحراسةٌ دقيقة للتفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق الكبير.ثم جاء انضمام معالي دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس، قائد حكومة الأمل، متابعةً عن قرب، وحرصًا على تهيئة العاصمة؛ لأن الخرطوم لا تعود بالنيات وحدها، بل بالمتابعة والمسؤولية.نعم، كان الحزن حاضرًا على الطريق، لكن الأمل كان أمضى.الخرطوم تبكي لكنها واقفة.وسِكّة السفر هذه ليست نهاية رحلة، بل بداية عهدٍ جديد؛
عهدٍ كُتب بالصبر، وحُرس بالرجال، ووُعد بالعودة،
تحت شعار: جيناكم راجعين… شايلين الحلم الجميل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى