إن مفهوم التهميش المتداول في السودان متعلق بادعاء الإهمال المتعمد لتنمية بعض المناطق وتجاهل مشاركة سكانها في صنع القرار السياسي، وفي حالتنا السودانية فإن تعريف الهامش يشير إلى المناطق الجغرافية الواقعة خارج العاصمة والمناطق الحضرية الأخرى، خاصة مناطق أطراف البلاد مثل جنوب السودان قبل الإنفصال ،جنوب كردفان ،جنوب النيل الازرق ،شرق السودان ،اقصى شمال السودان ودار فور. فقل لي بربك أي الأجزاء تبقت من السودان.
إن القائلون بذلك يقصدون عدم تمثيل سكان الهامش بقدر كاف في المؤسسات السياسية والحكومية وان النظام السياسي منذ الاستقلال قد تركز في أيدي النخبة الحضرية القاطنة في الخرطوم والمناطق المجاورة لها، وان هذا التهميش أدى الى حرمان سكان الهامش من الوصول إلى مراكز صنع القرار والمشاركة الفاعلة في تحديد السياسات الوطنية، ثم يربطون ذلك بالجانب الاقتصادي فيقولون إن المناطق المهمشة تعاني من نقص كبير في التنمية والخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية والمياه ، وإن معظم المشاريع الاقتصادية والاستثمارية الكبرى توجد في المناطق المركزية وان هناك مجموعات محددة تستأثر بالسلطة والثروة منذ الاستقلال متناسين الدور الكبير للاستعمار الانجليزي في زراعة تلك المشكلة التي يحملونها للحكومات الوطنية والاحزاب السياسية التي اعتمدت في بداياتها على الطائفية متمثلة في اكبر طائفتين وهما الانصار والختمية ويحمد لهاتين الطائفتين انهما اخرجتا السودان من طور القبيلة الى طور الطائفة الدينية والسياسية وذاك كان تطوراً كبيراً تراجعت عنه البلاد لاحقاً عندما حدثت مشكلات جديدة في اطرافها تبنتها حركات سياسية مسلحة كما سنفصل لاحقاً.
إن علاقتي بقضايا التهميش تعود الى استماعي منذ المرحلة الابتدائية إلى إذاعة الجيش الشعبي لتحرير السودان وهو الذراع العسكري للحركة الشعبية لتحرير السودان، تلك الإذاعة كان بثها من أديس أبابا مسموع في مناطقنا بوضوح لقربها من إثيوبيا وجنوب السودان وكانت كإذاعة جديدة تبث باللغة العربية لمدة ساعة واحدة من الثالثة والنصف الى الرابعة عصرا يومياً، تجد متابعة من السودانيين ولو من باب الفضول ومعرفة الجديد . ومن الأخبار التي لا أنساها قولهم إن قوات الحركة قد قصفت عربة لا ندروفر بها عشرين جندياً بكامل اسلحتهم فاستغربت لذلك العدد، فعربة اللاندروفر أكثر عربة مألوفة لدينا لاستخدامها في جمع ضريبة المحاصيل ( القبانة ) وكذلك يستخدمها ضباط المجالس المحلية وموظفو الحكومة عمومًا وقتها، لم أكن أعرف حينها إن الإعلام صناعة والتضخيم مقصود لذاته، ثم شاءت الأقدار ان يتم قبولي في جامعة جوبا وهناك صرت أكثر احتكاكاً والتصاقاً بمجتمع جنوب السودان ولا أزال، وبالتالي قضاياه، فقد كانت جامعة جوبا و ما انفكت مفرخة للعديد من قادة المستقبل في ذلك البلد الشقيق .
عبر تلك الأذاعة سمعت الكثير عن اتهام الشمال بالهيمنة عبر الحكومة التي أسموها في المانفستو الذي سوف نتطرق اليه لاحقاً بطغمة الأقلية الحاكمة في الخرطوم وما نتج عنه من استئثار الشمال بالسلطة والثروة على حساب بقية المناطق وإن التحرير مقصود به تحرير السودان من ماذا وليس من من في رسالة طمأنة للشماليين إنه لم يتم استئصال شأفتهم، ولاحقاً عرفت بؤس هذا الإدعاء عندما كبرت وذرت مناطق كثيرة في اتجاهات السودان الجغرافية المختلفة.
كانت الحرب التي يسمونها الكفاح المسلح هي الوسيلة الأولى بدلاً عن رفع المطالب بالحسنى والسبب في ذلك أن المانفستو قد تبنى اطروحات الشيوعية والمعروف أن اليسار عموماً وخاصة الشيوعي كما يقول اليساري السابق البروفيسور محمد ولد لبات لا يكن وداً لقوى الأمن والشرطة والمخابرات رغم أنها مكلفة بأمن المواطنين وحراستهم وسلامتهم وتأمين ممتلكاتهم ويواصل فيقول : (إن هذه اللعنة ترسخت في معتقدات ومخيلة اليساريين في الأصل انطلاقاً من التصورات المبنية على صراع الطبقات باعتبار أن تلك القوى تعمل في خدمة المستغلين وتحت أمرتهم) .
كانت وقفة التأمل الثانية لي عندما سكنت لأول مرة في بيت مستقل في العاصمة الخرطوم فلاحظت إلى جواري عشة بائسة بنيت بليل، لأنها لم تكن موجودة في اليوم السابق، بها أسرة من جنوب السودان، وهنا تذكرت وصف الروائي الجنوب افريقي ألن باتون لبيوت الصفيح في جوهانسبيرج، في روايته أبك يا وطني الحبيب ( shanty towns built at one night by the railway line) .تلك الاسرة جاءت الى هناك نزوحاً من ويلات التمرد فتساءلت أهؤلاء تم تحريرهم للعيش في هذا الشقاء ؟ أما كان الأجدى نفعاً لهم أن يظلوا على حالهم في منطقتهم الأصل؟ وبالتأكيد ما ينطبق على هؤلاء يطبق على كل قاطني معسكرات النزوح و اللجوء فقد قدر لي لاحقاً أن أعمل في واحدة منها فالتقيت بذلك البؤس مرة أخرى يمشي على ساقين، وعرفت كما سأفصل لاحقاً لماذا الاصرار على بقاء معسكرات اللجوء والنزوح.
بروفيسور إبراهيم محمد آدم يكتب : إدعاءات التهميش وتأثيراتها على مستقبل السودان (2)
