
كلام سياسة الصافي سالم
لحظة صفاء جمعتنا اليوم ببعض الزملاء الإعلاميين، وزبن القعدة المخضرم والمبدع أبشر رفاي أحد أبرز الشخصيات التي سبق أن ترشحت لمنصب والي ولاية الخرطوم في زمنٍ مضى دار الحديث عن ما يحدث في الشارع السوداني بكل مكوناته، حيث اتفقنا على طيبة وقيم المواطن وأخلاقه الرفيعة؛ ذلك الإنسان الذي يردّ التحية والسلام على من يعرف ومن لا يعرف، فلا تمر دقيقة دون سلام، ولا يُفتح حديث دون استهلال طويل بالسؤال عن الأحوال، والأهل، والصحة، والطقس، وأخبار الحي.مشهد مألوف يعكس عمق العلاقات الاجتماعية وصدق المشاعر، لكنه في الوقت ذاته يطرح سؤالًا جادًا: متى تتحول التحايا والمجاملات من قيمة اجتماعية جميلة إلى عادة تستهلك الزمن وتهدر الجهد؟ما يُعرف في الوجدان الشعبي بـ ظل التحايا لم يعد مجرد لحظة ودّ عابرة، بل صار طقسًا يوميًا يمتد دقائق، وربما ربع ساعة أو أكثر، في الأسواق، والمكاتب، ومواقف المواصلات، وحتى في أوقات العمل. يبدأ اللقاء بابتسامة صادقة، ثم يتشعب إلى سردٍ طويل، قبل أن يضيع الهدف الأساسي من اللقاء، أو يُؤجَّل العمل إلى بكرة إن شاء الله هذا السلوك، رغم نُبله في جوهره، أصبح أحد مظاهر التقصير غير المقصود في إدارة الوقت. فالشارع السوداني اليوم يواجه تحديات كبرى: حرب أنهكت البلاد، واقتصاد يتطلب الجديةوالانضباط، وإعمار يحتاج إلى كل دقيقة عمل. ومع ذلك، ما زال كثيرون يبددون الزمن في مجاملات لا تنتهي، وكأن الوقت مورد لا ينفد.
الخطورة لا تكمن في التحية ذاتها، فهي جزء أصيل من الثقافة والهوية، بل في الإفراط الذي يحوّلها إلى عائق.فالموظف الذي يقضي ساعة في تبادل المجاملات، والعامل الذي يؤخر مهمته بسبب قعدة كلام والطالب الذي يضيع وقته في أحاديث بلا نهاية جميعهم يشاركون دون قصد في إبطاء حركة المجتمع.
ليس المطلوب أن نتخلى عن أخلاقنا أو نجفف إنسانيتنا، بل أن نعيد التوازن: تحية مختصرة، وسؤال صادق، ثم انطلاق إلى العمل. فالأمم لا تتقدم بكثرة الكلام، بل بحسن استثمار الزمن، والوقت في هذه المرحلة الحرجة من عمر السودان أثمن من أن يُهدر في ظل التحايا
ربما آن الأوان لأن نسأل أنفسنا: هل نريد شارعًا دافئًا بالمشاعر فقط، أم وطنًا يتحرك بالفعل؟
الإجابة لا تحتاج إلى مجاملة طويلة، بل إلى فعل سريع، وإرادة تحترم قيمة الوقت



