امل ابو القاسم تكتب : نحو مبادرة “المغربي”.. وأخرى

الحروب لا تكتفي بقتل الأرواح وتدمير المدن، بل تضرب في عمق صورة الأوطان وسمعتها. والسودان بعد حرب قاسية كادت أن تمزقه، خرج بجراح عميقة وبأبناء عاشوا النزوح واللجوء والمهانة، لكنهم أيضًا تعلموا درسًا قاسيًا: قيمة الوطن لا تُعرف إلا حين يوشك على الضياع.

من هنا تأتي مبادرة الكاتب المعروف مكي المغربي تحت شعار #سمعة_بلدك_سمعتك، وهي دعوة لتغيير السلوك الجماعي السوداني في طريقة الحديث عن الوطن. فالكثيرون – داخل البلاد وخارجها – اعتادوا جلد السودان علنًا بفظاظة، بينما يطالبون في ذات الوقت بتقديرهم واحترامهم باعتبارهم أبناء وطن عظيم. هذا التناقض، كما يرى “مكي”، ليس وطنيًا ولا إصلاحيًا، بل يسيء للفرد قبل أن يسيء للبلد.

والمبادرة تنطلق من ثلاث أفكار بسيطة، أو كما لخّصها الكاتب في مقاله: أولًا نشاط رمزي شهري يعزز صورة السودان – مثل تخصيص آخر جمعة من كل شهر للزي القومي. ثانيًا حوار وطني متزن يفرق بين النقد البنّاء وجلْد الذات المبالغ فيه. وثالثًا فرض “ضريبة إيجابية” في أي مجلس سوداني: ذكر قصة نجاح واحدة على الأقل، ولو كانت إشارة عابرة.

الأستاذ مكي المغربي ليس مجرد كاتب محلي، بل صاحب تجربة ممتدة بين دول العالم الأول والثالث، ورأى بأم عينيه دولًا تفككت جيوشها ولم تقم لها قائمة، وأخرى نهضت رغم جراحها. لذلك جاءت مبادرته امتدادًا لتجربة ورؤية تراكمت عبر السنين.

اليوم، جيل الشباب السوداني يقف في الخط الأمامي. صحيح أنهم تعرضوا لخديعة الأحزاب والمليشيات والعملاء، لكن السواد الأعظم أثبتوا معدنهم الأصيل خلال الحرب. هذا الجيل يحتاج إلى مبادرات مجتمعية تعيد بناء الثقة في النفس والوطن، وتغلق الباب أمام جلد الذات وتشويه السودان بأيدي السودانيين أنفسهم. والأمر لا يقتصر عليهم فقط، بل يمتد إلى رجال راشدين دون رشد، طغت عليهم المصالح وعلت على القيم وتقدير الوطن.

إن الحرب، مهما طال أمدها، يجب أن تترك وراءها درسًا: حب الوطن واجب، وصيانة سمعته جزء من صيانة كرامتنا نحن. ومبادرة #سمعة_بلدك_سمعتك ليست ترفًا إعلاميًا، بل ضرورة وطنية. هي بداية لحراك شعبي يجب أن يكبر ويلتحق به المجتمع كله، مبادرات ضد الإحباط وضد تدمير الذات، مبادرات تعيد بناء ما هدمته الحرب.

أسلفتُ أن الحرب وما أفرزته من تشريد تمخّض عنه نزوح ولجوء، وشهد المواطن خلالها أياما وليالي قاسية وهو يعاني الأمرّين. ومن المفترض أن نعرف قيمة تراب وطن كدنا أن نفقده، وإن لم تبدّلنا هذه المحنة للأحسن فلا خير فينا.

ومن هذا المنطلق، ومن وحي مبادرة الأستاذ “مكي المغربي”، ينبغي أن تجد المبادرة الدعم الشعبي والالتفاف حولها، وألّا ينقطع صداها حتى تتحول إلى فعل واقع، وهذا يحتاج إلى تكاتف الجميع.

إن الحرب مهما طالت، يجب أن تترك وراءها درسًا واحدًا على الأقل: حب الوطن ليس خيارًا، بل واجب. وصيانة سمعته ليست ترفًا، بل مسؤولية وطنية. من هنا، فالمطلوب أن تتوسع المبادرة وتلحق بها مبادرات أخرى لرتق النسيج الاجتماعي وإحياء القيم السودانية الأصيلة، حتى نخرج من المحنة أقوى مما كنا.

Exit mobile version