
دكتور محمد حسن إمام – كاتب في الشوؤن الاستراتيجية والامن الاقليمي
منذ اندلاع الحرب في السودان، سارع الإعلام الدولي إلى اختزالها في عبارة مبسطة: “حرب بين جنرالين”. هكذا جرى تصوير الصراع على أنه نزاع على السلطة بين قائد الجيش الوطني وقائد المليشيا المسلحة، وكأن البلاد رهينة طموحات شخصية لرجال عسكريين لكن خلف هذا السرد السطحي، تكمن حقيقة أشد فداحة: إنها حرب وجود يخوضها الشعب السوداني ضد آلة تدمير ممنهجة تستهدف إنسانيته وهويته وثقافته وبنيته التحتية
حرب إبادة لا صراع جنرالين
الإعلام العالمي بطبيعته يبحث عن العناوين السريعة والقابلة للتسويق تصوير النزاع باعتباره صراعًا بين “البرهان وحميدتي” أسهل عـــلى القارئ الغربي من الدخول في تفاصيل شبكــة معقدة مــن الانتهاكات، جرائم الحرب، والأبعاد الإنسانية لكن هذا الاختزال يؤدي إلى تغييب الضحية الحقيقية: ملايين المدنيين السودانيين الذين يدفعون الثمن الأكبر
شعب يُجوَّع ويُهجَّر بينما العالم يتفرج
على الأرض، لــم تكن الحرب مــجرد مواجهة عسكريــة بين جيش ومليشيا، بل مشروع إبادة متكامل الحصار والتجويع: فرضت المليشيات طوقًا خانقًا على المدن، ومنعت الغذاء والـدواء، لتركيع السكان وتجويعهم النهب المنظم أُفرغت الأسواق والمخازن، وتحولت ممتلكات المدنيين إلى غنائم حـــرب، ممــا شل الاقـتصــاد المــحلي الاغتصاب كسلاح استخدمت المليشيا العنف الجنسي كسلاح للإذلال، فــي جريمة تستهدف تفكيك النسيج الاجتماعــي الدمار الممنهج للبنية التحتية المستشفيات والمدارس والكهرباء والمياه كلها وُضعت في مرمى النار، لتحويل الحياة اليومية إلى جحيم لا يُطاق
استهداف الإرث الثقافي والفكري: أُحرقت الجامعــات والمكتبـــات ودُمرت مراكز الثقافة، في محاولــة لمحو الــذاكرة الجمعية والهويــة الوطنية للسودان هــذه ليست مجرد “معركة بين جنرالين”، بل استراتيجية تطهير وتمزيق لبنية الدولة والمجتمع
الإعلام يختزل المأساة… والواقع أعمق
لكن لماذا يغيب هذا البعد عن التغطية الدولية؟
منطق الإثارة: الإعلام ينجذب للقصص التي تتمحور حول أشخاص بارزين، أكثر من تناوله جرائم معقدة ضد الإنسانية
غياب المراسلين الميدانيين ضعف الحضور الصحفي الدولي في السودان جعل السرد يعتمد
على بيانات ثانوية، ففقدت المأساة صوتها الحقيقي
الانتقائية السياسية بعض القوى الكبرى تجد في خطاب “حرب الجنرالين” مخرجًا مــــريحًا لتجنب ضغوط التدخل المباشر أو الإدانة الصريحة
الاغتصاب والتجويع سلاحان في معركة البقاء
تصوير الحرب كصراع شخصي بين قادة عسكريين يحجب حقيقة استخدام المليشيا لأبشــــــع وسائــل الحرب ضد المدنيين فـــحين يتحول الجوع والاغتصاب والتدمير الممنهج إلى أدوات استراتيجية لإبادة جماعية، يصبح التوصيف الإعلامي مجرد تواطؤ بالصمت وصفت المديرة التنفيذية لليونسيف يتاريخ 28 اغسطس 2025م ان اكثر من 1100 انتهاك جسيم في الفاشر لوحدها بما في ذلك قتل واصابة 1000 طفل وقد اصيب العديد منهم بينما هم في منازلهم او مخيمات المهجرين وتعرض 23 طفلا وطفلة للاغتصاب اوالاغتصاب الجماعي او اساءات جنسية ناهيك عن المدن الاخرى
إرث السودان الثقافي في مرمى التدمير
لم تتوقف المليشيات عند قتل الأحياء، بل استهدفت ذاكرة الأجيال القادمة إحراق الجامعـــــات والمكتبات وتدمير مراكز الفكر والثقافة ليس عملًا عشوائيًا، بل محاولة لطمس هوية السودان ومسح تاريخه الحضاري من الوجود
حين تُقاس الأزمات بمصالح الكبار… يسقط السودان من الحسابات
الأزمة السودانية تكشف بوضوح أن الاهتمام الدولي لا يُقاس بحجم المعاناة الإنسانية، بل بمدى ارتباطها بالمصالح الجيوسياسية والاقتصاديــة للقوى الــكبرى أوكرانيا حظيت بدعم واسع لأن أمن أوروبا على المحك، بينما يظل السودان خارج دائرة الأولويات لأن مأساته لا تهدد بشكل مباشر مصالح تلك القوى
الصمت الدولي = تواطؤ مقنّع
هذا الغياب الدولي لا يمر دون ثمن، بل يفاقم مـــــــأساة السودان على عدة مستويات إضعاف الضغط الدولي: تصوير الحرب كصراع شخصي يخفف من الإلحاح على محاسبة المليشيات أو تقديم دعم إنساني عاجل
ترسيخ الإفلات من العقاب: غياب التوصيف الحقيقي للجرائم كإبادة أو جرائم ضد الإنسانية يعمّق ثقافة الحصانة للجناة
تفاقم الكارثة الإنسانية: ملايين النازحين واللاجئين يجدون أنفسهم أمام أبواب مغلقة، بلا اهتمام عالمي يتناسب مع حجم المأساة
من يملك حق التسمية؟
إن مسؤولية الإعلام والمجتمع الدولي اليوم ليست فقط نقل الأخبار، بل تسمية الأشياء بمسمياتها
ما يجـــري في السودان هو حــرب إبادة ووجود ضد الشعب، لا مــجرد “حرب بين جنرالين
السودانيون لا يقاتلون من أجل جنرال بعينه، بل من أجل الحق في الحياة والكرامة والـــذاكرة الوطنية تجاهل هذه الحقيقة يضع الإعـلام والمجتمع الدولي في خانة التواطؤ بالصمت، ويُعيد إنتاج سياسة الكيل بمكيالين التي تفرّق بين ضحايا العالم على أساس المصالح الجــغرافيـــــــة والسياسية
الاقتصاد بالارقام من الانهيار الي فرص النهوض
انكماش الناتج المحلي وفق تقدير البنك الــــدولي لانكماش الناتج بـ -29.4% في 2023 ثم -13.5% في 2024؛ وصندوق النقد يتوقع -0.4% في 2025 اسميًا ما يقارب 31–32 مليار دولار اقتصادًا مُنكمشًا وتضخم متوسّط أسعار المستهلك المتوقّع ≈ 100% في 2025 (بعد موجات ثلاثية / رباعية الأرقام في 2023–2024)
النزوح: أكبر أزمة نزوح في العالم اليوم: ≈ 12–13 مليون نازح/لاجئ بحلول ربيع 2025
الدمــار المـــادي رصد أممي بالأقمار الصناعية يحدد أكثر من 102 ألف مبنى مدمّر وآلاف أخرى متضررة وفق اخرتحديث قبل 3 أسابيع
اما سعر الصرف: في مارس 2025 ≈ 2,019 جنيه/دولار رسميًا مقابل ≈ 2,679 في السوق الموازية (فجوة تشوّه التسعير والاستيراد)
وقدرت تكلفة الإعمار المعلنة حكوميًا وفق: تقديرات رسمية تتراوح من 723 مليار إلى 1 تريليون دولار (منها ≈ 300 مليار للخرطوم وحدها تضع الخرطوم ضمن أكبر بؤر الدمار الحضري في العقد الحالي وفق قراءات يونسات
تفصيل قطاعي مختصر
1- الطاقة والوقود تضرر محطات الكهرباء والمياه في عشرات المواقع؛ أُبلِغ عن خسائر كبيرة للمنشآت ووقف/انخفاض التكرير، ما رفع كلفة الإمدادات واللوجستيات وأدى لانقطاعات مزمنة تقارير وكالات وأخبار دولية افادت بان تقديرات التعافي لقطاع الطاقة تتجاوز 45 مليار دولار
2- البنية التحتية والممتلكات صور الأقمار الصناعية (UNOSAT) تُظهر دمارًا واسعًــا بالبنية السكنية/ التجاريــة عــبرالخرطوم وولايات أخرى، مع تلوث ذخائرغيرمنفجرة يضاعف كلفة ومسار الإعمار
3- الصحة البشريـــة ورأس المال البشري انهيار خدمات واسعة نداء إنساني بـ 6 مليارات $ لعــام 2025 لنحو 21 مـــــليون شخـــص خسائر التراث الثقافي/ المتاحف تــضرب السياحة والهوية الاقتصادية على المدى الطويل
4- سوق العمل والــدخل الأسريUNDP/IFPRI مايو– يوليو 2024 وفـــقدان التوظيـــف الكامل إلى النصف،70% من الأطفال خارج التعليم، و1/7 فـــقط يصلون لخدمـــــات صحيــــــة كاملة هــذه مؤشرات مباشرة على انهيار الناتج غيرالرسمي واتساع الفــقر
5- الحسابات الكلية والعملة: فجوة سعر الصرف الرسمي/ الموازي >30% تعكس نقص العملة الأجنبية وتشوهات التجارة؛ مع انكماش متوالي للاعوام (2023–2024) والدخول في 2025 بتضخم ≈ 100% — ما يضغط على الأجور الحقيقية والاستثمار
خاتمة
السودان اليوم في قلب مأساة تُدار على وقع التجويع والاغتصاب والدمار، بينما يكتفي الإعلام العالمي بترديد قصة “صراع الجنرالين”. هذه السردية ليست بريئة، بل هي أداة طمس تُخفي حقيقة أن هناك شعبًا بأكمله يتعرض لمحاولة محو وجوده إن إنصاف السودان يبدأ بتغيير الخطاب: من تبسيط سطحي إلى توصيف حقيقي يُبرز جرائم الحرب والإبادة عندها فقط يمكن أن يتحرك الضمير العالمي نحو مسؤولياته في إيقاف نزيف الدم، محاسبة الجناة، ودعم استعادة الشعب السوداني لحقه في الحياة والكرامة ونتسال ،،،، قد تنكر العين ضؤ الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم ؟؟؟؟؟