
▪️في أوج الأزمة مع كينيا، اتجهت الحكومة إلى إدارة الموقف عبر لجنة غامضة التشكيل والمهام، مما أثار تساؤلات جدية حول مدى فاعليتها في التعامل مع هذا الملف الحساس. فبدلًا من تبني نهج دبلوماسي وأمني واقتصادي مدروس، جاء قرار بفرض عقوبات على نيروبي دون وضوح كافٍ حول الجدوى الاستراتيجية لهذه الخطوة، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية المعقدة التي يواجهها السودان. فهل كان هذا التصعيد مدروسًا بما يكفي؟ أم أنه جاء كتحرك ارتجالي وإستجابة تفتقر إلى رؤية متكاملة توازن بين المصالح السياسية والاقتصادية؟
▪️لا شك أن أي قرار بمقاطعة اقتصادية أو فرض قيود تجارية يجب أن يُدرس بعناية لضمان أن لا تكون تداعياته أكثر ضررًا على الدولة التي تفرضه. ومن هذا المنطلق، يثير خبراء الاقتصاد تساؤلات حول قدرة السودان على تحمّل تبعات هذه الإجراءات، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الحادة التي يواجهها أصلًا بسبب الحرب الدائرة.
▪️تعتمد الأسواق المحلية على الواردات الكينية في عدد من السلع الأساسية، مثل الشاي وبعض المنتجات الغذائية والدوائية، مما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ونقص في المعروض، خاصة في ظل غياب بدائل سريعة. فهل تمتلك الحكومة خطة واضحة لتعويض هذه الواردات عبر أسواق بديلة؟ أم أن القرار جاء كرد فعل سياسي دون حسابات اقتصادية مدروسة؟
▪️يمتلك العديد من التجار السودانيين ارتباطات تجارية مع الموردين الكينيين، وفرض قيود على هذه التعاملات قد يخلق صعوبات لوجستية، مما يضر بالقطاع الخاص السوداني أكثر مما يؤثر على الاقتصاد الكيني. فهل تم التنسيق مع الغرف التجارية ورجال الأعمال قبل اتخاذ هذه الإجراءات؟ أم أن القرار كان مفاجئًا دون مراعاة المصالح الاقتصادية الداخلية؟
▪️إضافة إلى ذلك، يعتمد السودان على بعض الخطوط الجوية والشحن البحري المرتبطة بكينيا، مما يثير تساؤلات حول تأثير العقوبات على حركة النقل والتجارة. فهل هناك بدائل عملية تضمن عدم تعطّل سلاسل التوريد وتدفق السلع الأساسية؟
▪️رغم أن العقوبات التي فرضتها الحكومة السودانية على كينيا تبدو كخطوة تصعيدية تهدف إلى الضغط السياسي، إلا أن جدواها الفعلية تستدعي مراجعة دقيقة. فمن الناحية الاقتصادية، يشمل الحظر السوداني منع استيراد المنتجات الكينية، وعلى رأسها الشاي، وهو ما قد يؤثر نظريًا على قطاع التصدير الكيني، حيث يُعد السودان من بين أكبر عشرة مستوردين للشاي الكيني عالميًا. كما تضمن القرار سحب السفير السوداني من نيروبي وتقديم شكاوى للمنظمات الدولية، في محاولة لتدويل القضية وإظهار كينيا كطرف متورط في زعزعة الاستقرار السوداني.
▪️لكن على الجانب الآخر، فإن السودان نفسه قد يواجه تبعات اقتصادية وسياسية سلبية جراء هذه الإجراءات. فالقرار بحظر عبور الطائرات الكينية في الأجواء السودانية قد يُلحق أضرارًا مباشرة بالخزينة السودانية، التي تعتمد على رسوم العبور الجوي كمصدر دخل مهم. كما أن هذه العقوبات قد تدفع كينيا إلى إعادة ترتيب تحالفاتها الإقليمية، مما قد يؤدي إلى عزلة دبلوماسية أكبر للسودان في منطقة شرق أفريقيا، في وقت هو أحوج فيه إلى دعم إقليمي لمواجهة تحدياته الداخلية والخارجية.
▪️هكذا، يبدو أن تأثير العقوبات ليس بالضرورة في صالح السودان، بل قد يساهم في خلق مسارات جديدة تعزز موقع كينيا بدلًا من إضعافه، وهو ما يستدعي تقييمًا أكثر توازنًا لهذه السياسات، بعيدًا عن ردود الفعل الآنية التي قد تحمل انعكاسات طويلة المدى.
▪️إلى جانب التأثير الاقتصادي، يطرح هذا القرار تساؤلات حول تداعياته السياسية على علاقات السودان الإقليمية، ومدى فعاليته كأداة ضغط على نيروبي. فهل السودان في موقع يسمح له باستخدام العقوبات كورقة ضغط؟ بالنظر إلى توازن القوى الاقتصادية بين البلدين، فإن كينيا تتمتع باقتصاد أكثر استقرارًا وتنوعًا، مما يجعلها أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بالسودان الذي يعاني من أزمة اقتصادية خانقة.
▪️هل ستجبر هذه الإجراءات كينيا على مراجعة مواقفها؟ أم أنها ستدفعها إلى مزيد من التشدد في سياساتها تجاه السودان؟
كينيا لاعبًا رئيسيًا في السياسة الإقليمية بمنطقة القرن الإفريقي ، وتتمتع بعلاقات قوية مع القوى الدولية، مما قد يؤدي إلى اجهاض المجهود الدبلوماسي الذي تم مؤخرا إذا استمر التصعيد دون استراتيجية واضحة. فهل هذه الخطوة مدروسة في إطار رؤية متكاملة لعلاقات السودان مع جيرانه؟ أم أنها مجرد استجابة تكتيكية قد تنعكس سلبًا على السودان دبلوماسيًا؟
*_خلاصة القول ومنتهاه_*
▪️بينما تبدو العقوبات الاقتصادية أداة مشروعة في العلاقات الدولية، فإن استخدامها دون رؤية استراتيجية متكاملة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خاصة إذا كان الضرر الأكبر يقع على الدولة التي تفرضها. وبالنظر إلى هشاشة الوضع الاقتصادي السوداني، فإن أي قرار يؤثر على التبادل التجاري والاستثمارات يجب أن يُتخذ بحذر شديد، بعد دراسة دقيقة لكافة السيناريوهات المحتملة.
▪️إن التعامل مع الأزمة الكينية يجب أن يكون في إطار استراتيجية سياسية واقتصادية متكاملة، لا مجرد إجراءات عقابية قد تضر السودان أكثر مما تؤثر على كينيا. فالرهان على العقوبات كأداة ضغط يجب أن يكون مبنيًا على قدرة حقيقية على التأثير، وليس مجرد خطوة تصعيدية قد تفقد السودان خياراته الدبلوماسية والاقتصادية على المدى البعيد.