..
مشروع قرار بريطاني جديد،،
(السمُّ في الدسم)..
إصرار بريطاني غريب على التدخل والمساس بسيادة السودان..
القرار يركز على مخرجات منبر جدة ومسارات تنفيذ الجانب الإنساني..
لماذا لم تهتم بريطانيا بإخراج الميليشيا من منازل المواطنين؟..
مهما حمل القرار من جوانب إيجابية، فهي ليست سوى دسِّ السم في الدسم..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
كشف السودان عن مشروع قرار بريطاني جديد على منضدة مجلس الأمن الدولي يتناول منبر جدة بالتركيز على مخرجاته ومسار تنفيذها، وقال وكيل وزارة الخارجية السفير حسين الأمين، في تصريحاته له عقب اجتماع اللجنة العليا للتنسيق مع الأمم المتحدة برئاسة عضو مجلس السيادة الانتقالي ـ مساعد القائد العام الفريق مهندس مستشار إبراهيم جابر، إن اللجنة تداولت في اجتماعها بالبحث والنقاش حول سلبيات وإيجابيات القرار البريطاني، منوهاً إلى أنه قد تم التوافق على ضرورة التواصل مع الدول الصديقة في مجلس الأمن لاحتواء هذا القرار.
مشروع قرار مُجهض:
وكانت بريطانيا قد طرحت في 18 نوفمبر الماضي 2024م مشروع قرار مشترك مع سيراليون أمام مجلس الأمن الدولي بشأن السودان، وشدد مشروع القرار المشترك على دفع الأطراف المتحاربة منذ الخامس عشر من أبريل 2023م إلى إزالة العقبات التي تحول دون وصول المساعدات الإنسانية، ويدعو القرار البريطاني إلى حماية المدنيين، ويطالب القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع باحترام وتنفيذ التزاماتهما بموجب إعلان جدة بالكامل، ولكن روسيا أفشلت تمرير القرار باستخدامها حق النقض ( الفيتو) منوهةً إلى مخاوف بشأن تقويض سيادة السودان، معتبرة أن بريطانيا تحاول أن تترك لنفسها فرصة التدخل في شؤون البلد ومواصلة الهندسة السياسية والاجتماعية فيه قت نفسه.
ترحيب منطقي:
وسارع السودان إلى الترحيب باستخدام روسيا لحق النقض ( الفيتو) في مواجهة مشروع القرار البريطاني بشأن السودان، وامتدحت وزارة الخارجية السودانية الموقف الروسي الذي قالت إنه جاء تعبيراً عن الالتزام بمبادئ العدالة واحترام سيادة الدول والقانون الدولي ودعم استقلال ووحدة السودان ومؤسساته الوطنية، معربةً عن أملها أن تضع هذه السابقة التاريخية حداً لنهج استخدام منبر مجلس الأمن لفرض الوصاية على الشعوب، ولخدمة الأجندة الضيقة لبعض القوى، مع تغييب الشفافية والديمقراطية وتكريس ازدواجية المعايير، مما يضعف دور المجلس في إرساء دعائم السلم والأمن الدوليين.
إصرار غريب ومريب:
وها هي بريطانيا تعود بعد مضي نحو ثلاثة أشهر من فشل تمرير قرارها المشترك مع سيراليون إلى طرح قرار جديد على منضدة مجلس الأمن الدولي في إصرار غريب ومريب على التدخل في الشأن السوداني ومحاولة فرض وصاية جديدة عبر بوابة منبر جدة والدعوة إلى تنفيذ مخرجاته المتعلقة بالشأن الإنساني! فأين كانت بريطانيا منذ الحادي عشر من مايو 2023م تأريخ التوقيع على اتفاق جدة؟ ولماذا لم تتحرك وتحشد جهودها لكسر تعنت ميليشيا الدعم السريع، وحملها على تنفيذ ما يليها من مخرجات المنبر وخاصة تلك المتعلقة بالخروج من منازل المواطنين والأعيان المدنية، والالتزام بحماية المدنيين في السودان وتيسير العمل الإنساني، والسماح بمرور آمن للمدنيين لمغادرة مناطق الأعمال العدائية الفعلية على أساس طوعي في الاتجاه الذي يختارونه، والتمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب وتقليل الضرر الذي يلحق بالمدنيين، وعدم استخدامهم كدروع بشرية.
مياه تحت الجسر:
لقد غضَّت بريطانيا طرفها وتجاهلت عدم التزام ميليشيا الدعم السريع بتنفيذ مخرجات منبر جدة التي تم توقيعها بعد نحو أربعة أسابيع من اندلاع الحرب، لتعود اليوم وتحاول مجدداً الطرق على ذات الموضوع! قطعاً بريطانيا تدرك أن الكثير من المياه جرت تحت الجسر ما بين تأريخ التوقيع على اتفاق منبر جدة، وما بين تأريخ طرح مشروع قرارها الجديد على منضدة مجلس الأمن الدولي، فإن كانت ميليشيا الدعم السريع في بواكير الحرب تفرض سيطرتها على الكثير من مفاصل البلاد، فإن الميليشيا اليوم تستجدي حلفاءها وداعميها للتدخل من أجل محاولة إيقاف الآلة الحربية للقوات المسلحة والقوات المساندة لها والتي تُعمل فيهم كسحاً ومسحاً، بتجريعهم كؤوس الهزائم الساحقة والمتلاحقة في مختلف محاور وجبهات القتال، كاسرةً صلفهم وغرورهم الذي أبدوه في بواكير هذه الحرب الوجودية.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر يبدو أن بريطانيا لن ترعوي من تكرار محاولاتها مع سبق الإصرار والترصد للمساس بسيادة السودان والتدخل في شؤونه وفرض وصاياتها عليه، وحسناً فعلت الحكومة السودانية بالتحرك دبلوماسياً والاحتراز مبكراً، لإغلاق جميع الأبواب التي يمكن أن تأتي منها رياح مشروع القرار البريطاني داخل مجلس الأمن الدولي، ذلك أن مشروع القرار البريطاني ومهما كانت فيه من جوانب إيجابية، إلا أنها لا تعدو سوى أن تكون محاولة بريطانية لدس السم في الدسم.