أخر الأخبار

حـدود المنطق – إسماعيل جبريل تيسو – البرهان في نيويورك،، فرصة ذهبية لاستعادة مكانة السودان الدولية

الخرطوم الحاكم نيوز

وألقى رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة السودانية الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، خطاب السودان أمام الدورة رقم 78 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر ها بمدينة نيويورك الأمريكية، واكتسب خطاب البرهان أهميته من أهمية الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تعتبر الجهاز التمثيلي الرئيس لمنظمة الأمم المتحدة، للتداول بشأن وضع وصنع السياسة العامة، وبلورة الرؤى والمفاهيم على أبرز القضايا التي تؤرّق مضجع العالم كقضايا تهديد السلم والأمن الدوليين.

ولما كان السودان محط أنظار العالم ومحور قلقه الدائم منذ منتصف أبريل من العام الجاري 2023م، عندما تمردت ميليشيا الدعم السريع، وأعلنت حربها على القوات المسلحة السودانية بفرية الدفاع على الديمقراطية، فقد كان السودان نفسه محور اهتمام الجمعية العامة للأمم المتحدة التي قدمت للبرهان عدة فرص على طبق من ذهب، أولها أن يخاطب أعمال الدورة رقم 78 للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي يحتشد فيها زعماء ورؤساء الحكومات، الذين يمثلون 193 دولة هي عضوية الأمم المتحدة، خلاف المراقبين.

ولم يفوٍّت البرهان الفرصة الذهبية التي اتيحت له فهدَّف مباشرة في مرمى المجتمع الدولي طارحاً بوضوح وشفافية مجريات الأحداث وتطوراتها الأمنية منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023م، والتي لعبت فيها ميليشيا الدعم السريع المتمردة دور مخلب القط لتحقيق مأرب قوى سياسية داخلية، وتنفيذ أجندات وأطماع دول ومؤسسات إقليمية ودولية تسعى لتعزيز وجودها الإقليمي بالسيطرة على السودان واستغلال موارده من خلال إضعاف قواته المسلحة.

وما كان البرهان نسيّا وهو يستعرض الانتهاكات والفظائع وجرائم الحرب التي ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع في حق المدنيين والمواطنين الأبرياء والعزل بانتهاج العنف من قتل وتقتيل واغتصاب ونهب وسلب وتدمير واستباحة بيوت المواطنين في العاصمة الخرطوم، وتشريدهم قسرياً وقهرياً، وممارسة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في غرب دارفور بإعمال القتل على أساس العرق في مدينة الجنينة، وتهجير سكانها إلى دول الحدود الغربية في تشاد وأفريقيا الوسطى، الأمر الذي يتوجب على المجتمع الدولي تصنيف ميليشيا الدعم السريع ومن يساندها جماعة إرهابية.

وبذكاء يحسد عليه بسط رئيس مجلس السيادة في السودان كفيه لاستمرار التعاون مع منظمات الأمم المتحدة في تقديم المساعدات الإنسانية للمتأثرين بتداعيات الحرب، وهي مغازلة صريحة لاستئناف التعاون المثمر مع بعثة الأمم المتحدة في السودان في مرحلة ما بعد انتحار مبعوثها فولكر بيرست الذي كان بمثابة الزبد الذي ذهب جفاءاً، وبقيت إرادة السودان لتنفع الشعب الذي تضرر من أزدواجية المعايير التي تعامل بها فولكر، داعماً ومناصراً لميليشيا الدعم السريع وحاضنتها السياسية، ناسياً أو متناسياً مهمته الأساسية التي دفعت به ممثلاً لبعثة الأمم المتحدة في السودان، لتكون نهايته المحتومة بحرق نفسه وإيراد ميليشيا الدعم السريع وحاضنتها السياسية مورد الهلاك.

خطاب البرهان الذي لقى صدى واسعاً بين ردهات ودهاليز الجمعية العامة للأمم المتحدة سيكون له حيزٌ في القرارات التي ستتخذها الجمعية العامة للأم المتحدة في خاتمة أعمالها، لاسيما وأن البرهان نفسه كان قد لعب بمهارة فائقة في ميدان الدبلوماسية المباشرة من خلال اللقاءات السريعة التي هيّأتها له المنظمة الدولية بعدد من الزعماء ورؤساء الدول والحكومات، حيث طرح لهم رئيس مجلس السيادة خلال هذه اللقاءات ما أمسك عن ذكره وأسرّه في نفسه خلال خطابه العام، فللصلاة سرُّها وجهرُها.

وضرب البرهان بحضوره الباهي في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أكثر من عصفور بحجر واحد، فقد أعاد السودان إلى واجهة المجتمع الدولي، كدولة تتمتع بسيادتها الوطنية وشرعية أجهزتها ومؤسساتها المدنية والعسكرية، وذلك بعد غياب افتراضي بسبب الحرب، وبسبب إصرار بعض المنظمات ودول المحيط الإقليمي على مساواة الجيش الوطني بميليشيا الدعم السريع، وإرسال إشارات سلبية لميليشيا الجنجويد المتمردة لتمضي في مشروعها القائم على تدمير السودان وتغيير ديموغرافيته باستجلاب أجناس جديدة من دول غرب أفريقيا شاركوا بفعالية في إذكاء نار الحرب الجارية في السودان.

قطعاً سيعود البرهان من الولايات المتحدة الأمريكية محمولاً على أكتاف دعم دولي، مثلما ذهب إلى نيويورك مسنوداً بمواكب وهتافات شعبية مأزرة له، ومساندة لمسيرة الجيش الماضية في القضاء على ميليشيا الجنجويد ومحوها من ذاكرة وخارطة المشهد السوداني، وبالتالي فإن الخطوة القادمة للبرهان ينبغي أن تكون سياسية بحتة يتجه فيها مسرعاً إلى تشكيل حكومة تصريف أعمال تقودها وجوه جديدة قادرة على التعاطي مع تداعيات الحرب، ومستوعبة لمطلوبات مرحلة ما بعد الحرب، خاصة فيما يلي مشروعات الإعمار وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، واستعادة مدنية الدولة، وتحقيق الانتقال السلس وصولاً إلى صناديق الانتخابات التي تقود إلى منصة التحول الديمقراطي والتبادل السلمي للسلطة.

لقد أفرزت حرب الخامس عشر من أبريل 2023م، جوانب مشوَّهة لوجه الحكومة القائمة، ينبغي على البرهان تداركها جيداً في اختيار وزراء حكومته المرتقبة بحيث تكون الكفاءة والثقة والاستقلالية معايير ضرورية، ذلك أن سودان ما بعد مرحلة الحرب سيكون مختلفاً عن سودان المحسوبية ورمادية المواقف وركوب الموجة لتحقيق المصالح الذاتية والحزبية والجهوية، ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، رفعت الأقلام وجفت الصحف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى