بُعْدٌ .. و .. مسَافة – مصطفى أبوالعزائم – الثّوراتُ .. فِعْلٌ واحد في أراضٍ مًخْتلِفة

مقالنا السابق والذي جاء تحت عنوان ( بلادنا في أي مرْحلَةٍ من مراحِل الثّورة الآن؟ ) فتح علينا أبواب نقاش عديدة ، من خلال التعليقات في موقع الصحيفة أو مواقع التواصل الإلكترونية المختلفة ، ربما نعْرِض على بعضها في الأيام المقبلة ، لكن رسالة من أخ وصديق كريم إستوقفتني وهي محتشدة بِكمٍّ هائل من المعارف والمعلومات ، أتخير بعض ما ورد فيها ، وهو يُذكّرَني بنقاش قديم جرى بيننا حول كِتَابٍ للمؤرّخ والكاتب الأمريكي ” كراين برينتين” حمل إسم ( تشريح الثورة) وقال لي إن الكاتب والكتاب برزا أمامه وهو يطّلع على المقال ، لأن الكاتب الأمريكي الذي أصدر كتابه ذاك في العام 1938 م كان قد تتبّع بالدراسة والتحليل أربع من الثورات الكبرى التي تعتبر الأخطر والأهم في التاريخ الإنساني الحديث ، هي الثورة الفرنسية و الثورة الأمريكية ، والثورة البلشفية الروسية ،ثُمّ الحرب الأهلية الإنجليزية .
كتاب برينتين الذي أعيدت طباعته في عام 1956 م ، ثُمّ في عام 1964م يُعـتَبر من أهم المصادر الأساسية لتفسير الثورات ، وقد ذكر الكاتب الأمريكي إن هناك أربعة مراحِل للثورة ، وبالتحديد بعد إسقاط نظام الحكم القائم ، تبدأ بأعراض الثورة من خلال التنافر الطبقي المُسْتجَد في المجتمع نتيجة لعدم كفاءة الحاكم .
ثم يلي ذلك ما أسماه الكاتب مرحلة الحُمّى الصاعدة وهي مرحلة تصاعد السّخَط في أوساط الطبقة الوسطى ، لينتقل منها إلى بقية أفراد الشّعْبِ ، لتبدأ المواجهة بين الحكومة والمواطنين والتي تنتهي عادة بإنهيار الجهاز الحكومي تحت ضغط الإنتفاضة والإنهيار المالي ، ثُمّ يُشكِّل المعتدلون أو الوسط السّياسي الحكومة الجديدة ، لكنها تعجز عن إدارة الدولة ، ومواجهة التحديات والأزمات الإقتصادية. ووضع دستور جديد ، وهنا تظهر خُطب المنتصرين التي تكشف عن أنهم غير مجمعين على ما يفعلونه لإدارة الدولة .
المرحلة الثالثة عند الكاتب هي مرحلة الأزمة عندما يعجز المعتدلون عن إدارة الدولة ، ويُقْصِيهم المُتطرِّفون أو اليسَار السياسي بالقوة ليبدأ حُكْم الإرهاب ويشرع المتطرفون في التخلّص من معارضيهم بإستخدام العُنف ، وتتورط الحكومة الجديدة في حرب خارجية في محاولتها نشر مبادئ الثورة ، وتتفاقم الأزمات الإقتصادية وتفقد الثورة بريقها وسطوتها وجاذبيتها وتفقد السند الشعبي .
التفاصيل ممتعة لكن المساحة محدودة ، لكن الكاتب الأمريكي يستنتج أن الثورة تعود في النهاية لنظام أقرب للنظام الذي إقتلعته الثورة ، مع تطبيق بعض الإصلاحات التي تطيح بأسوأ ما كان عليه النِّظَام القديم ، لكن الوضْعَ في مجمله يعود إلى ما كان عليه الحال لفترة ما قبل الثورة .
أخذتُ نقاش صديقي وزميلي الذي أُفضّل عدم الإشارة لأسمه لأنه مُصنّفٌ سياسيّاً وهو ما قد يؤخذ عليه من قِبل حزبه أو قد يؤخذ على حزبه كأن ذلك هو رأي الحزب ، وقد يستثمر الخصوم السياسيين ذلك إستثماراً سالباً ضِد الرجل أو حزبه ، أقول أنني أخذت ما قال به ذلك الصديق مأخذ الجد للنظر فيه ومحاولة قراءة تلك الإشارات مع المشهد السياسي السوداني الآن .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى