كلام سياسة.. الصافي سالم : الدبلوماسية ليست صور وداع.. وليست كل أسرار الدولة للنشر يا صديقي محمد عثمان الرضي

قرأت باهتمام المقال الذي خطّه الأخ العزيز والصديق الحبيب الرائع الصحفي والمحلل السياسي محمد عثمان الرضي، تحت عنوان دبلوماسية الوداع. من يحاسب السفراء ومن يسائل وزير الخارجية؟
وهو مقال يحمل في طياته تساؤلات مشروعة حول أداء بعثاتنا الدبلوماسية، ويعكس حرص كاتبه على أن تكون الدبلوماسية السودانية بحجم التحديات التي تواجه وطننا في هذه المرحلة الاستثنائية.
وأقول لأخي محمد عثمان الرضي، بكل المحبة والتقدير والاحترام، إن الاختلاف في وجهات النظر لا يفسد للود قضية، وإن النقد الموضوعي مطلوب، بل هو ضرورة لتطوير مؤسسات الدولة. ولكن من الإنصاف أيضاً أن ننظر إلى طبيعة العمل الدبلوماسي، وأن نفرّق بين ما يجوز إعلانه للرأي العام وما تقتضي المصلحة الوطنية إبقاءه بعيداً عن الأضواء.
أخي محمد.. ليست كل إنجازات الدبلوماسية تُنشر في الصحف، وليست كل المعارك السياسية تُخاض أمام كاميرات الإعلام.فوزارة الخارجية ليست مؤسسة إعلامية تكشف كل ما يدور داخل أروقتها، وإنما هي إحدى أهم مؤسسات الدولة السيادية، تتعامل مع ملفات شديدة الحساسية، تتصل بالأمن القومي والعلاقات الدولية والمصالح الاستراتيجية للسودان.وهناك تحركات واتصالات ومفاوضات دبلوماسية قد يكون نجاحها مرهوناً بسرّيتها، بل إن الإعلان المبكر عن بعضها ربما يضر بالمصلحة الوطنية أكثر مما يخدمها.ولذلك فإن غياب الخبر عن نشاط سفير لا يعني بالضرورة غياب العمل، كما أن كثرة الظهور الإعلامي لا تعني بالضرورة تحقيق الإنجازات.أما حديثك عن مراسم وداع السفراء بواسطة رئيس مجلس السيادة، فأود أن أوضح أن هذا التقليد ليس بدعة استحدثتها وزارة الخارجية الحالية، ولا ممارسة جديدة ارتبطت بوزير بعينه، وإنما هو إجراء بروتوكولي معروف في العمل الدبلوماسي، درجت عليه الدولة منذ سنوات طويلة، ويعكس اهتمام القيادة العليا بممثلي السودان في الخارج، وتوجيههم قبل مباشرة مهامهم.فهل أصبح وداع رئيس الدولة لسفرائه موضع انتقاد، وهو في الأصل تعبير عن مكانة الدبلوماسية وأهمية الرسالة الوطنية التي يحملها السفراء؟
ثم إن من المهم توضيح مسألة أخرى تتعلق بصلاحيات وزير الخارجية. فتعيين السفراء ليس قراراً شخصياً ينفرد به الوزير وفق رغبته، وإنما يتم عبر الإجراءات والمؤسسات المختصة، وبالتنسيق والتشاور مع قيادة الدولة، بما في ذلك رئاسة مجلس السيادة ومجلس الوزراء، ووفق الأطر القانونية والتنظيمية المعمول بها.ومن هنا فإن تحميل وزير الخارجية وحده مسؤولية كل تعيين أو انتقال دبلوماسي قد لا يعكس الصورة المؤسسية الكاملة لآليات اتخاذ القرار.أخي محمد.. نحن اليوم أمام دبلوماسية تعمل في ظروف حرب، وليست في ظروف دولة تنعم بالاستقرار الكامل.
فالسودان يواجه تحديات سياسية واقتصادية وأمنية بالغة التعقيد، ووزارة الخارجية مطالبة بإدارة علاقات دولية متشابكة، والتعامل مع مواقف إقليمية ودولية متباينة، والدفاع عن سيادة البلاد ومصالحها، بالتنسيق مع رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ومؤسسات الدولة التنفيذية، وفي مقدمتها مجلس الوزراء.
وهذا العمل لا يمكن اختزاله في صور الاستقبال والوداع، ولا في عدد التصريحات الصحفية التي يدلي بها السفراء.وأقولها بوضوح: من حق الشعب السوداني أن يعرف ما تحقق من إنجازات دبلوماسية، ولكن ليس من حق أحد أن يطالب بكشف أسرار الدولة أو تفاصيل تحركاتها الحساسة تحت عنوان الشفافية والمحاسبة.فالشفافية مطلوبة، والمساءلة واجبة، لكن المحافظة على أسرار الدولة واجب وطني لا يقل أهمية عنهما.ولا يعني ذلك أن السفراء فوق التقييم أو أن وزارة الخارجية بعيدة عن النقد؛ بل إنني أتفق معك تماماً في أهمية تقييم الأداء، ومراجعة النتائج، وتطوير آليات المحاسبة، وتقديم ما يمكن إعلانه من تقارير للرأي العام دون الإضرار بالمصالح الوطنية.وقد أحسنت، أخي محمد، حين أشدت بتجربة السفير الدكتور كمال علي عثمان في جدة، والسفير عمر عيسى في الصين، وغيرهما من الدبلوماسيين الذين يسعون لخدمة السودان. لكن الإنصاف يقتضي كذلك ألا نحكم على بقية السفراء من خلال حضورهم الإعلامي وحده، فهناك من يعملون بصمت، وقد تكون نتائج جهودهم أكبر من مساحة ظهورهم في وسائل الإعلام.وأحسب أن وزير الخارجية والتعاون الدولي، السفير محيي الدين سالم، يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه في هذه المرحلة الدقيقة، وأن الحكم المنصف على أدائه ينبغي أن يستند إلى النتائج المؤسسية والظروف التي تعمل فيها الوزارة، لا إلى المراسم البروتوكولية وحدها.وأختم برسالة إلى أخي العزيز محمد عثمان الرضي:نحن لا نختلف معك في ضرورة المحاسبة، ولا في حق الصحافة في طرح الأسئلة الصعبة، ولكننا نختلف في اعتبار ما لا يُعلن دليلاً على ما لم يُنجز.فالدبلوماسية ليست كلها تصريحات، وليست كلها صوراً، وليست كل نجاحاتها قابلة للنشر. وهناك فرق كبير بين حق المواطن في المعرفة، وحق الدولة في حماية أسرارها ومصالحها العليا.
فلننتقد من أجل الإصلاح، ولنطالب بالتقييم من أجل التطوير، ولننصف مؤسساتنا الوطنية دون أن نعفيها من المسؤولية.
فالدولة القوية لا تخشى النقد المسؤول،والصحافة الواعية لا تطالب بكشف أسرار الوطن، والدبلوماسية الناجحة ليست تلك التي تتحدث كثيراً، وإنما تلك التي تحقق للسودان مصالحه، سواء تحت الأضواء أو خلف الأبواب المغلقة.
ولك، أخي محمد عثمان الرضي، خالص الود والتقدير، وستظل بيننا مساحة واسعة للاختلاف المحترم والاتفاق على مصلحة السودان.
حفظ الله السودان وشعبه، وأعان كل من يعمل بإخلاص لخدمته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى