
صيانة محطات الكهرباء دون حمايتها تصبح بلاوي جدوي
تتعرض البنية التحتية لقطاع الكهرباء في السودان لسلسلة متكررة من الاستهداف والدمار، ومع كل ضربة، تنشط الكوادر الفنية والهندسية في سباق مع الزمن لإصلاح ما يمكن إصلاحه، مستندة إلى إرادة صلبة وشعور وطني لا يُقاس. ورغم كل هذا الجهد والتضحيات ، إلا أن الاستمرار في إصلاح محطات الكهرباء وإعادتها للخدمة دون توفير مظلة حماية صارمة لها، يشبه تماماً ملء وعاء مثقوب؛ جهد مضنٍ لا يثمر، ونزيف مستمر للموارد والوقت.
إن المنطق الإداري والاقتصادي والعسكري يتفق على قاعدة أساسية: “الأمن يسبق التنمية، والحماية تسبق البناء.” فعندما يُعاد تأهيل محطة توليد أو شبكة نقل دون تحصينها أمنياً أو استراتيجياً، فإننا لا نكون أمام عملية إعادة إعمار، بل أمام “هدف مجاني متجدد” يُعاد تسليمه للدمار. هذا النهج يرهق الخزينة المنهكة، ويستنزف طاقات الكوادر الفنية التي تتحول من صناع للتنمية إلى مصلحين أبدين لخراب متكرر، والأهم من ذلك أنه يضاعف من معاناة المواطن الذي يتأرجح بين أمل زائف ويأس متجدد.
الاستدامة ليست في سرعة الإصلاح فحسب، بل في حصانة الإنجاز. إن أي خطوة قادمة لإعادة الإعمار يجب أن تبدأ بمعادلة متوازنة: حماية أولاً، ثم إصلاح ثانياً. فبدل أن تذهب الموارد المحدودة لترميم ما سيُهدم غداً، يجب توجيه منها لتأمين المواقع وتوزيع مصادر الطاقة ونشر المنظومات البديلة واللامركزية التي تصعب السيطرة عليها أو استهدافها بضربة واحدة.
الكهرباء ليست مجرد خدمة رفاهية، بل هي عصب الحياة، واستهدافها هو حرب على استقرار المجتمع وبقائه. وحماية هذا العصب ليست مسؤولية أمنية بحتة، بل هي قرار استراتيجي سيادي؛ فما لم يقترن الإصلاح بدرع واقٍ يحميه، ستبقى كل الجهود مجرد ركض في مكان واحد، ودوران في فلك أزمة لا تنتهي.
عزالدين المصري



