أخر الأخبار

دكتورة جميلة الجميعابي تكتب: الطرق الصوفية وتهيئة الرأي العام للحوار السوداني.. حين تلتقي الروح بالوطن

في إطار اللقاءات التي تعقدها لجنة المسار المجتمعي بلجنة تهيئة الحوار السوداني، برئاسة البروفيسور محمد جلال هاشم، انعقد بمقر لجنة تهيئة الحوار السوداني لقاء استثنائي جمع عدداً كبيراً من مشايخ الطرق الصوفية، برئاسة مولانا الشيخ عبد الوهاب الكباشي، وأدار اللقاء مولانا الشيخ الطيب عبد الوهاب ، بحضور الأستاذ أمين سعد، نائب منسق لجنة المسار المجتمعي، وعدد من أعضاء اللجنة.
كان لقاءً استثنائياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ لقاءً اتسم بالنقاء الروحي، وصفاء النفوس، وشفافية الطرح، وثراء المداخلات، واستحضر فيه الجميع مسؤولية الكلمة والموقف في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ السودان.
وقد حمل اللقاء رسائل مهمة تستحق الوقوف عندها:
*أولاً*: المساندة الواضحة للحوار السوداني.
أكد مشايخ الطرق الصوفية مساندتهم للحوار، وموافقتهم على أهدافه ورؤيته، واستعدادهم للإسهام في تهيئة الرأي العام وتعزيز المشاركة المجتمعية في مساراته.
*ثانياً*: الدور المجتمعي والإنساني للطرق الصوفية.
برز في المداخلات التأكيد على أهمية بناء السلام، ودور الطرق الصوفية في تعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ قيم التسامح والتكافل والتعايش السلمي. كما استعرض المشاركون ما قدمته هذه الطرق خلال الحرب من دعم نفسي ومساعدات إنسانية، وإقامة التكايا، وإطلاق المبادرات التي أسهمت في تخفيف معاناة المواطنين والوقوف إلى جانب المتضررين.
*ثالثاً*: القدرة على التواصل ومد جسور الحوار.
أكد المشاركون أن الطرق الصوفية دعاة سلام، وأن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى دورها الروحي والمجتمعي، بما تمتلكه من امتداد اجتماعي وقبول لدى قطاعات واسعة من السودانيين، وقدرة على التواصل والحوار مع السودانيين في الداخل والخارج، بما يعزز فرص التوافق الوطني والمصالحة المجتمعية.
كما شددوا على ضرورة مراعاة ظروف الفئات الأكثر هشاشة وتأثراً بالحرب، وإعطائها المساحة التي تستحقها في الحوار، حتى لا يكون السلام مجرد اتفاق بين النخب، بل عملية مجتمعية تستوعب آلام الناس وتطلعاتهم واحتياجاتهم الحقيقية.
*رابعاً*: المرأة المتصوفة ودورها في تعزيز السلام.
كان للحضور النسائي من الأخوات الفضليات من المتصوفات حضور مقدر، أكدن من خلاله الدور المحوري للمرأة في تعزيز ثقافة السلام، وما قدمته المرأة السودانية من عطاء وصبر ومبادرات إنسانية عظيمة خلال الحرب.
*خامساً*: الإعلام شريك في تهيئة الرأي العام للحوار.
اتخذ اللقاء بُعداً إعلامياً مهماً، إذ جاء في صيغة مؤتمر صحفي بمشاركة عدد من الصحفيين والإعلاميين، الذين طرحوا مجموعة من الأسئلة والاستفسارات حول القضايا المطروحة. وقد وجدت هذه الأسئلة إجابات وافية من المنصة ومشايخ الطرق الصوفية الحاضرين، اتسمت بالموضوعية والاهتمام والحرص على التوضيح، وأسهمت في إثراء النقاش وتعميق فهم دور الطرق الصوفية في تهيئة الرأي العام للحوار السوداني.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نحيّي دور الإعلام والصحافة في مواكبة هذه اللقاءات، ونقل مضامينها إلى المجتمع، وفتح مساحات للنقاش المسؤول، بما يعزز الوعي بأهمية الحوار، ويشجع المشاركة المجتمعية، ويدعم الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في السودان.
*رؤيا*:
إن الطرق الصوفية ليست مجرد كيانات دينية ذات امتداد تاريخي، بل هي مكونات أصيلة في النسيج الاجتماعي السوداني، تمتلك رصيداً من القيم الروحية والأخلاقية، وشبكات من العلاقات المجتمعية، وخبرة في الإصلاح بين الناس وتقريب وجهات النظر.
ومن هنا، فإن حضورها في عملية تهيئة الحوار يمثل فرصة مهمة لتعزيز الثقة، ومقاومة خطاب الكراهية، وترسيخ ثقافة التسامح وقبول الآخر.
إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى كل صوت يدعو للسلام، وكل جهد يجمع ولا يفرق، وكل مبادرة تعيد بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد. والحوار الذي ننشده لا يكتمل إلا بمشاركة حقيقية وفاعلة لمكونات المجتمع، وفي مقدمتها الطرق الصوفية، بما لها من تأثير روحي واجتماعي وقدرة على الوصول إلى قطاعات واسعة من المواطنين.
وقد لفت نظري في هذا اللقاء أسلوب الإدارة الرشيدة والحكيمة لمولانا الشيخ الطيب عبد الوهاب، وما اتسمت به المداخلات من عمق وثراء، وما أضافته من رؤى مهمة إلى مسار الحوار، في أجواء غلبت عليها الروح الطيبة والرغبة الصادقة في خدمة الوطن.
كما أن المشاركة الإعلامية وطرح الأسئلة المباشرة عكسا أهمية إتاحة الفرصة للنقاش المفتوح، وتوضيح الرؤى، وتعزيز التواصل بين القيادات المجتمعية والرأي العام.
إن تهيئة الرأي العام للحوار مسؤولية مشتركة، تتطلب إشراك القيادات المجتمعية والروحية، وتمكين الكوادر المؤهلة، والاستماع إلى أصوات المتضررين من الحرب، وإشراك النساء والشباب والفئات الهشة، حتى يصبح الحوار تعبيراً حقيقياً عن تطلعات السودانيين في السلام والاستقرار واستعادة نسيجهم الاجتماعي.
فالسلام لا يُبنى بالاتفاقات وحدها، بل تبنيه أيضاً القلوب التي تتسع للآخر، والنفوس التي تتسامح، والمجتمعات التي تؤمن بأن الوطن يسع الجميع.
التحية والتقدير لمشايخ الطرق الصوفية، وللأخوات الفضليات من المتصوفات، وللجنة المسار المجتمعي، وللصحفيين والإعلاميين الذين أسهموا في إثراء اللقاء، ولكل من يسهم في تهيئة المناخ لحوار سوداني جامع، يضع الإنسان وكرامته وسلامه في مقدمة الأولويات.
*معاً من أجل حوار مجتمعي شامل، وسلام مستدام، وسودان يسع الجميع*
محبتي واحترامي .
د. جميلة الجميعابي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − عشرة =

زر الذهاب إلى الأعلى