أخر الأخبار

العلاقات السودانية الأمريكية بين مشروعية النظام وفقدان نقطة التوازن

بقلم / شرف الدين أحمد حمزة المدير العام الاسبق للإدارة السياسية والاعلام بالأمانه العامة لمجلس الوزراء
(الحلقة الثالثة)

●كان السودان ومايزال وسيظل في بؤرة وصميم الاهتمام الأمريكي منذ أن نال السودان إستقلاله عن دولتي الحكم الثنائي بريطانيا ومصر _ والاهتمام الأمريكي بالسودان ليس قاصراً علي احد من الحزبين الجمهوري أو الديمقراطي المتنافسيين علي دست السلطه والحكم في صراع الانتخابات الأمريكية ولكن إستراتيجية الهيمنة الأمريكية علي جغرافية الموارد الطبيعية والمواقع الجيوستراتيجية في العالم يشملهما معاً .. والولايات المتحده الأمريكية تستخدم سياسة واسلوب العصا والجزرة والترغيب والترهيب في تمرير وفرض سياستها علي بلدان العالم الزاخره بالموارد الطبيعية وتلك المتميزه بأوضاعها الجيوستراتيجية أو كليهما معاً أو قد تلجأ الي التداخل المباشر في الشئون الداخلية لتلك البلدان وإحداث القلاقل السياسية لإقتلاع النظم والحكومات التي تخالف خططها واستراتيجياتها كما فعلت مع نظام المشير / جعفر نميري بعد ان اغدقت عليه كثيرا وإحتوته ردحاً من الزمن أو تلجأ للتداخل العسكري المباشر والغزو المسلح كما فعلت في غزوها للعراق وافغانستان وفنزويلا وكما تفعل حاليا مع الجمهورية الاسلامية الايرانية ..

●…ولذلك فقد إعتمدنا هنا في هذه السلسلة من مقالاتنا هذه بعنوان (العلاقات السودانية الأمريكية بين مشروعية النظام وفقدان نقطة التوازن) منهج السرد التاريخي في سجل العلاقات السودانية الأمريكية منذ اللحظة الاولي لباكورة استقلال السودان علي النحو الوارد في الحلقتين الاولي والثانية من هذه المقالات حتي لحظة تكشير الولايات المتحدة الأمريكية عن انيابها لنظام الحكم القائم في السودان وامتناعها عن منح الفريق أول/ عبدالفتاح البرهان تأشيرة الدخول الي الاراضي الأمريكية لمخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة أمام رؤساء العالم ضمن دورة اعمالها رقم 81، ومن ثم وصفها لنظام الحكم القائم في السودان بعدم الشرعية ومساواته بقوات الدعم السريع الغازية في فقدانهما معا لشرعية حكم السودان ثم سعيها الراهن المحموم عبر مجلس الامن الدولي لمنع تسليح الجيش السوداني دوليا لإتاحة الفرصة لتزويد قوات الدعم السريع المتمردة بالاسلحة والمعدات الحربية المتطورة عبر الابواب الخلفية بدول الجوار المعادية للسودان..

●…بحلول عامي 1980/1981 سقط الرئيس الأمريكي الديمقراطي جيمي كارتر سقوطا مدويا في انتخابات الرئاسه الأمريكية أمام الرئيس الأمريكي الجمهوري المنتخب “الكاوبوي” والممثل السينمائي “رونالدريجان” _ ومن عجائب السياسة الأمريكية ان نجاح الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر في عقد الاتفاق التاريخي بين مصر واسرائيل عبر مبحاثات كامب ديڤيد التي أدت الي عقد معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية عام 1979 وانهاء الصراع العربي الاسرائيلي وتمهيد مسارات التطبيع العربي الاسرائيلي إلا أن ذلك الانجاز التاريخي لم يشفع للرئيس جيمي كارتر لان يعاد إنتخابه لولاية جديدة وذلك لاخفاقة في تحرير الرهائن الأمريكان من الدبلوماسيين الذين تم احتجازهم داخل السفارة الأمريكية بالعاصمة الايرانية طهران بواسطة مناصري الثورة الاسلامية الايرانية من الطلاب الايرانيين المناصرين للإمام الخميني وكان ذلك جزاء ” سنمار ” للرئيس جيمي كارتر الذي اتجه مباشرة نحو مزرعته ليمارس عمله الاصلي كمزارع للفول وفول الصويا ..

●…تعتبر فترة تولي الرئيس الأمريكي الجمهوري رونالدو ريجان من اخصب فترات العلاقات الأمريكية السودانية بداية من العام 1981 _ فقد بدأت الولايات المتحدة تطرح منظوراتها الاستراتيجية في اعادة صياغة الشرق الاوسط كما اعادت تعريفها لما يعرف في العلوم السياسيه بالمجال الحيوي حيث اثبتت ضمن دائرة معارف العلوم الأمريكية ان المجال الحيوي للولايات المتحدة الأمريكية يمكن ان يمتد لأي بقعه في العالم يمكن ان تشكل تهديدا للمصالح الأمريكية ، وبعد أن برز وتشكل المحور الشيوعي المعروف بمحور طرابلس/ اديس ابابا/ عدن..الذي مثل قوساً شيوعيا يحاصر السودان ويهدد مصر في زمن اشتداد اوار الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية وماكان يعرف بالاتحاد السوڤياتي اعلنت الولايات المتحدة الأمريكية ان حزام الامن القومي الاستراتيجي ومجالها الحيوي يمتد الي م بعد الهضبة الأثيوبية ..

●…بعثت الولايات المتحدة الأمريكية بسفير متميز ، للسودان وهو المستر / هيوم الكسندر هوران والذي نشط نشاطا جماً في تنظيم وترتيب وتبويب ملفات العلاقات الأمريكية السودانية وكان من نتاج هذا التنظيم الجيد ان بدأت اشارات أمريكية ايجابية ترسل الضوء الأخضر للقيادة السياسية في السودان بأن للولايات المتحدة الأمريكية امالا كبري في تحقيق أفضل نموذج في علاقاتها بالسودان _ حيث حمل السفير الأمريكي لدي الخرطوم “هيوم الكسندرهوران” دعوة الرئيس الأمريكي المنتخب رونالدريجان للمشير جعفر نميري لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية بمرافقة وفد عالي المستوي من الوزراء لبحث اوجه تطوير مجالات العلاقات بين البلدين

●..قام الرئيس السوداني المشير جعفر نميري بتلبية دعوة الرئيس الأمريكي رونالدريجان علي رأس وفد عالي المستوي من الوزراء والخبراء شمل وزراء المالية،والنقل والمواصلات ، والثروة الحيوانية ، والتعليم العالي ، والتعاون والتجارة والتموين ، وشئون الرئاسة ، ومحافظ بنك السودان ، حيث استقبلهم الرئيس الأمريكي رونالدريجان إستقبالا مميزاً والتقط معهم صوراً تذكارية اثناء انعقاد المؤتمر الصحفي للرئيسين الأمريكي و السوداني ..

●..بدأ الوزراء من أهل الاختصاص من الجانبين في عقد لقاءات مباشرة مع بعضهما البعض تمخضت عن عقد العديد من الاتفاقيات الاقتصادية وفي مجال العون الفني والثقافي وتجديد التزامات الحكومة الأمريكية ضمن برنامج العون الغذائي والمعونه الأمريكية السابق ابرامها مع السودان ، كما شملت المباحثات توقيع العديد من الاتفاقيات في مجال التعليم العالي في التخصصات الدقيقة والتكنولوجية في مجالات الطب والطب البيطري والزراعة وتطوير البحوث الزراعية والدراسات النظرية السياسية والادارية حيث اتاحت الجامعات والكليات والمعاهد الأمريكية فرصا لتدريب حوالي اكثر من الفين أو يزيدون من الكوادر السودانية للحصول علي درجات الدكتوراه والماجستير والدبلومات العليا في جميع التخصصات في العلوم والفنون والصنائع..

●..علي الجانب الاخر كان وزير الدفاع الأمريكي “كاسبر واين بيرجر” مرافقا للمشير جعفر نميري في زيارته لقيادة اركان حرب القوات الأمريكية، وقاعدة اندروز الجوية بولاية الميرلاند ، كما دعمت الولايات المتحدة الأمريكية القوات المسلحة السودانية بالعربات العسكرية “همر” وطائرات النقل العسكرية الضخمه “بفلو” وطائرات c130″ وطائرات التدريب، والمهمات العسكرية _ كما فتحت الكليات العسكرية والفنية أمام تدريب القيادات العسكرية بمختلف تخصصاتها الفنية العسكرية ، وقد بلغت جملة مقدار الدعم المالي واللوجيستي الذي قدمته الولايات المتحدة الأمريكية للقوات المسلحة السودانية مامقداره 1,3,00,000(واحد مليار وثلثمئة مليون دولار أمريكي) حسب المركز البريطاني للدراسات الاستراتيجية بلندن iiss
International Institute for Strategic Studies

●..اختتمت زيارة المشير جعفر نميري والوفد المرافق له بالتوقيع علي عدد من الاتفاقيات في المجالات التي استعرضناها انفا وجاء تتويج الزيارة بالاعلان عن تشكيل المجلس الاقتصادي الأمريكي المشترك والذي تقرر أن يعقد اجتماعاته الدورية سنويا بالتناوب في كل من العاصمتين واشنطن والخرطوم.

●في اعقاب زيارة المشير نميري لواشنطن بدأ تفعيل كافة بنود الملفات في العلاقات الثنائية بين البلدين حيث حضر الي الخرطوم مدير عام شركة شيفرون الأمريكية للبترول والتقي المشير جعفر نميري وعقد اجتماعات مكثفة مع المسئولين بوزارة الطاقة والتعدين ووزيرها الدكتور محمد شريف التهامي وتم الاعلان عن أن شركة شيفرون قد وقعت إتفاقية مع الحكومة السودانية لاجراء مسوحاتها الجيوفزيائيه للتنقيب عن البترول في السودان وتم تحديد مواقع هذه المسوحات بجنوب السودان اولا كمرحلة اولي

●…الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد برامج المسوحات الفضائية عبر الاقمار الصناعية في تحديد مكان الثروات الطبيعية في البلدان الزاخرة بالموارد الطبيعية في افريقيا وعلي رأسها السودان _ وكان من نتائج ذلك أن وصلت بعثه علمية بحثية فضائية تتبع لوكالة ناسا الفضائيه الأمريكية برئاسة الدكتور فاروق الباز عالم جيولوجيا الفضاء المتميز المصري الأصل الأمريكي الجنسية علي رأس بعثة كبيره من العلماء ضمن مشروع بحثي علمي مشترك بين جامعة هارفارد الأمريكية ووكالة ناسا الفضائيه الأمريكية ضمن مشروع علمي بحثي اطلق عليه umiscom2 _ وقد التقي المشير نميري رئيس الجمهورية بالوفد العلمي الأمريكي بقاعة الاجتماعات الكبري بالامانه العامة لمجلس الوزراء بشارع المك نمر _ حيث قام د. فاروق الباز رئيس الوفد بتعريف اعضاء الوفد المشترك بين خبراء وكالة ناسا الفضائيه وجامعة هارفارد الأمريكية واشار الي مهمة الوفد هي متابعة أعمال ونتائج البحث الفضائي للقمر الصناعي الأمريكي الذي يبحث ويمسح فضائيا الثروات الطبيعية في عدد من بلدان قارة افريقيا ومن بينهما السودان.. وقام د.فاروق الباز بتقديم عرض بالبروجكتور عن مسارات ونتائج المسح الفضائي للاراضي السودانية وقد ذكر ضمن ماذكر من حقائق علمية اشارت اليها نتائج المسح الفضائي المشروع umiscom2 أن المسوحات قد بينت أن منطقة” ابيٌي”بجنوب السودان تمثل اعمق بقعه جغرافية علي وجه الأرض وانها تمثل مخزونا بتروليا هائلا من اكبر المخزونات البترولية في العالم واضاف بأن الانحدار الجيولوجي للكرة الارضية يتيح لمنطقة ابيّي إستقبال وتخزين تدفقات هائله من بترولات الخليج العربي تبعا للإنحدار الجغرافي للكرة الارضية.!!!. انظر ياصديقي القارئ الي هذه الحقيقة العلمية الخطيرة التي تم “قبرها” ودفنها بعد ذلك ولايتم الحديث عنها وأرجع بذاكرتك الي إتفاقية نيفاشا التي ابرمها علي عثمان محمد طه النائب الاول لرئيس الجمهورية المشير عمر البشير وأرجع بذاكرتك الي الملابسات والتهديدات الأمريكية لعلي عثمان محمد طه في حالة انه لم يقم بالتوقيع علي ما يعرف ببرتكول ابييّ كأول برتكول منفصل تماما عن إتفاقية نيفاشا التي وقعها نظام الانقاذ الوطني مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، وإن شئت المزيد من المعلومات حول التهديد الأمريكي لعلي عثمان محمد طه والذي نقلة اليه د.چون قرنق قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان ورئيس الوفد الجنوبي المفاوض والذي ابلغه بأن رسالة الولايات المتحدة الأمريكية إليه تبلغه بأنه اذا لم يقم بالتوقيع غدا صباحا علي برتكول ابييّ فستفعل معه فعلة ال cia والموساد الاسرائيلي باعتقاله مثلما اعتقلا سابقا السجين عبدالله اوجلان زعيم ال Bkk المعارض لتركيا والذي تم ايداعه في السجون التركية ، وإن امريكا تتوعدة هو شخصيا اي علي عثمان محمد طه باعتقالة وايداعة بسجون جونتانامو مع ارهابيي أحداث الحادي عشر من سمبتمبر بكوبا .. راجع كتاب شن السلام علي السودان تأليف واعداد وزيرة التنمية الدولية النرويجية “هيلدا فرت جونسون ” والتي كانت ملازمة لمفاوضات نيفاشا المتعثرة بإعتبارها من اصدقاء السودان وكتابها المشار إليه هو :-
“Waging Peace in Sudan: The Inside Story of the Negotiations That Ended Africa’s Longest War”، _ 2005

●…كانت الفقرة السابقة بمثابة قفزة نوعية كان لابد من توضيحها للقارئ العزيز للربط المعرفي والمعلوماتي وليعلم القارئ اسباب تحييد منطقة ابييّ حتي الان وعدم اجراء اي مباحثات حول تبعيتها حتي الان منذ توقيع إتفاقية نيفاشا عام 2005 والتي ابتدأت عمدا وقصدا بتوقيع إتفاقية ابييّ ولخطورة هذه المسألة فقد قمت بكتابة مقال ضاف علي صفحات جريدة الوفاق السودانية وتم نشرة بعنوان ( علي طريقة ضم ولاية الاسكا الأمريكية هل تصبح ابيي الولاية رقم 51 امريكيا)

●..ولكننا عزيزي القارئ نعدك بمواصلة سردنا عن العلاقات السودانية الأمريكية في عصر المشير جعفر نميري حتي عصر الفريق أول عبدالفتاح البرهان واغلاق الابواب في وجهه بامتناعها عن منحه تأشيرة الدخول لمخاطبة جلسة مجلس الامن الدولي في جلسة رقم 81 وسعيها المحموم لإصدار قرار مجلس الامن الدولي لمنع صادرات السلاح للجيش السوداني وكذلك بإفترائها علي الحكومة السودانية التي يترأسها الرئيس السوداني سعادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان القائد الاعلي للقوات المسلحة السودانية ورئيس المجلس الإنتقالي واعتبارها حكومة غير شرعية

الي اللقاء في الحلقة الرابعة بمشيئة الله تعالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى