
بقلم: الدكتور أحمد عبد الله إسماعيل
ليست المأساة أن يموت شباب السودان وحدهم، بل أن تُزهق أرواحهم، وتُستباح كرامتهم، وتُهدَّد سيادة وطنهم، ثم يُقابَل كل ذلك بالصمت والتخاذل، وكأن دماء السودانيين أقل قيمة من المصالح السياسية، وكأن هذا الوطن أرض مستباحة، وشعبه مجرد ضحايا في صراع لا يملكون قرار إيقافه ولا حق تقرير نهايته.
إن ما يؤلمنا حقًا ليس الموت وحده، على فداحته، بل أن يصبح موت الشباب السودانيين خبرًا عابرًا، وأن تُترك أسرهم لمواجهة الفقد والوجع، بينما تنشغل القوى المتصدرة للمشهد بحساباتها السياسية وتحالفاتها ومصالحها. إن استهداف الشباب السودانيين بطيران خارجي، وما ترتب عليه من خسائر في الأرواح، يقتضي تحقيقًا مستقلًا وشفافًا يكشف ملابسات ما حدث، ويحدد المسؤوليات، ويضمن محاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفقًا للقانون. لكن المأساة لا تقف عند وقوع الاستهداف؛ إنها تمتد إلى المواقف التي تعقبه، وإلى مدى استعداد الجهات المسؤولة والقوى السياسية لتحمل واجباتها تجاه الإنسان والوطن.
إن صمت الجهات المسؤولة، حين تكون مطالبة بالدفاع عن المواطنين وصون سيادة الدولة وكشف الحقيقة، يثير أسئلة جدية حول أداء واجباتها الوطنية. فالمسؤولية لا تعني شغل المناصب أو إصدار البيانات عند الضرورة، بل تعني اتخاذ موقف واضح عندما تُستهدف حياة الناس، والتحرك الجاد لحماية حقوقهم، وعدم إخضاع قضايا السيادة والكرامة لحسابات المصالح والتحالفات. وحين يغيب الموقف الذي تقتضيه خطورة الأحداث، يصبح من حق الشعب أن يسأل، وأن يطالب بالإجابات، وأن يحاسب كل جهة بقدر مسؤوليتها ودورها.
لكن خطابنا لا يتوقف عند الحكومة، ولا يمنح المعارضة حصانة لمجرد أنها خارج السلطة، ولا يعفي الحركات السياسية من المساءلة لمجرد أنها ترفع شعارات الثورة أو السلام أو العدالة. إن رسالتنا موجهة إلى الجميع: إلى من يحكمون، وإلى من يعارضون، وإلى الحركات والقوى التي تتحدث باسم الشعب، وإلى كل من ظل يقدم نفسه بوصفه مدافعًا عن السودان ومصالح السودانيين. فالوطن لا يُختزل في سلطة، ولا تحتكره معارضة، ولا تملكه حركة، ولا يحق لأي جهة أن تدّعي تمثيل الشعب ثم تتعامل مع مآسيه باعتبارها شأنًا ثانويًا.
إلى كل من يتحدث باسم السودان: أين موقفكم حين تُزهق أرواح أبنائه؟ وأين أصواتكم حين تُهدَّد سيادته؟ وأين تذهب شعاراتكم حين تصبح حياة المواطنين وكرامتهم في مواجهة المصالح السياسية وحسابات النفوذ؟
لقد سئم السودانيون خطابات الوطنية التي لا تتحول إلى مواقف، وشعارات الثورة التي لا تنعكس على حياة الناس، والحديث عن السلام الذي لا يضع حماية المدنيين في مقدمة الأولويات، والادعاء بتمثيل الشعب من دون استعداد حقيقي للخضوع للمساءلة. سئموا أن يصبحوا مصدر الشرعية حين تحتاج القوى السياسية إلى أصواتهم، وأن تُهمَّش معاناتهم حين تتنافس تلك القوى على السلطة والنفوذ والمواقع.
إن من يدّعي تمثيل الشعب لا يكفيه أن يكرر اسمه في خطاباته، ومن يزعم الدفاع عن الوطن لا تكفيه الشعارات، ومن يرفع راية الثورة لا يكتسب حصانة من النقد والمساءلة. فالوطنية ليست امتيازًا سياسيًا، ولا لقبًا يمنحه المرء لنفسه، ولا وسيلة لاكتساب الشرعية؛ إنها مسؤولية تُقاس بالمواقف والأفعال، وبمدى الانحياز إلى حقوق المواطنين عندما تتعارض مع المصالح الخاصة.
وإذا كانت حسابات التمويل الخارجي أو التحالفات أو الخوف من خسارة النفوذ تؤثر في مواقف بعض القوى، فإن ذلك يستدعي مساءلة جادة عن استقلال قرارها الوطني. فلا يجوز أن يصبح الدعم المالي أو السياسي معيارًا للصمت أو الكلام، ولا أن تُقدَّم المصالح الحزبية على حياة المواطنين، ولا أن يُختزل السودان في شبكة من التفاهمات التي لا يكون الشعب طرفًا حقيقيًا في تقريرها. إن استقلال القرار الوطني لا يُثبت بالخطب، بل بالقدرة على اتخاذ الموقف الذي تقتضيه حقوق السودانيين، بصرف النظر عن هوية الطرف الذي قد يغضب من ذلك الموقف.
ولا نقول إن جميع الأطراف تتحمل المسؤولية ذاتها، أو إن الصمت وحده يثبت التواطؤ؛ فالمسؤولية تُحدَّد بالوقائع، والأدوار، والواجبات، وما يمكن إثباته من أفعال أو تقصير. لكننا نرفض أن تتحول المواقع السياسية إلى دروع تحمي أصحابها من الأسئلة المشروعة، أو أن يُستخدم الانتماء إلى السلطة أو المعارضة لتبرير التجاهل أو التهرب من الواجب الوطني. فلا أحد فوق المساءلة، ولا أحد يملك حق احتكار الوطنية، ولا أحد يحق له أن يتحدث باسم الضحايا ثم يمنعهم من مساءلته.
أيها الشباب السوداني، يا من حملتم أحلام ثورة ديسمبر وتطلعتم إلى وطن الحرية والسلام والعدالة، لا تسمحوا للحرب بأن تنتزع منكم، إلى جانب الأمن والاستقرار، قدرتكم على التفكير في المستقبل. لا تسمحوا للخوف والفقر والنزوح والإهانة أن تدفعكم إلى الاعتقاد بأن ما يحدث قدر لا يمكن تغييره، ولا تجعلوا تكرار المآسي يحوّل الموت إلى مشهد مألوف، أو يحوّل حقوقكم إلى مطالب مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
إن الحروب لا تكتفي بقتل الناس وتدمير المدن؛ إنها تستنزف المجتمعات، وتضعف المؤسسات، وتبدد الموارد، وتدفع المواطنين إلى الانشغال بالبقاء على قيد الحياة بدلًا من المشاركة في تقرير مصير وطنهم. وحين يصبح تأمين الغذاء والدواء والمأوى همَّ الإنسان اليومي، تتقلص قدرته على المطالبة بحقوقه ومساءلة من يتصرفون باسمه. ولهذا فإن مسؤوليتنا الوطنية لا تقتصر على إدانة مظاهر الحرب، بل تمتد إلى رفض كل ما يغذي استمرارها، ومواجهة استغلال معاناة المواطنين، والعمل السلمي المنظم من أجل استعادة الدولة وحماية المجتمع.
إن ما يجري في السودان لا يجوز اختزاله في صراع على السلطة بين أطراف متنافسة، ولا تفسيره من زاوية مصالح القوى السياسية والعسكرية وحدها. فهناك شعب يدفع الثمن من حياته ومستقبله، وأسر تُهجَّر من ديارها، ونساء وأطفال يواجهون مخاطر لا تُحتمل، وموارد وطنية تُستنزف، ومؤسسات تتآكل، ونسيج اجتماعي يتعرض لجراح عميقة. وأمام هذه الوقائع، يصبح وقف الحرب وحماية المدنيين وكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات واجبات وطنية وإنسانية لا تقبل التأجيل أو الانتقائية.
كما أن الدفاع عن سيادة السودان لا ينفصل عن الدفاع عن حقوق السودانيين. فالسيادة ليست مجرد حدود جغرافية أو خطاب سياسي، بل حق الشعب في تقرير مصيره، وحماية أرضه، وصون موارده، ورفض أن تصبح إرادته رهينة لأي قوة داخلية أو خارجية. ولا معنى لسيادة تُرفع كشعار بينما يُترك المواطن عرضة للانتهاك، ولا لاستقلال لا ينعكس أمنًا وكرامةً وحريةً على حياة الناس. ومن هنا، فإن المطالبة بكشف مصادر السلاح والتمويل، والتحقيق في التدخلات الخارجية، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته، يجب أن تستند إلى أدلة موثوقة وإجراءات قانونية تضمن الحقيقة والعدالة.
لقد قامت ثورة ديسمبر من أجل الحرية والسلام والعدالة، لا من أجل أن يستبدل السودانيون استبدادًا بآخر، ولا أن ينتقلوا من التبعية لسلطة داخلية إلى الارتهان لإرادات خارجية، ولا أن تتحول تضحياتهم إلى رصيد سياسي تتقاسمه النخب. قامت الثورة من أجل دولة مدنية تحترم الإنسان، وتخضع فيها السلطة للقانون والمساءلة، وتُدار فيها الموارد العامة لمصلحة الشعب، ولا يُمنح فيها أحد حصانة بسبب منصبه أو سلاحه أو تحالفاته.
إن الحرية ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، والسلام ليس اتفاقًا يُوقَّع بمعزل عن الضحايا، والعدالة ليست وعدًا يُستخدم لتأجيل الحقوق. إنها مبادئ يجب أن تنعكس على حياة السودانيين، وأن تشمل الضحايا والنازحين واللاجئين والشباب والنساء وكل من دفع ثمن الحرب والتهميش والانتهاكات. ولا يمكن بناء سلام مستدام ما دامت حياة المواطنين مستباحة، وما دامت الحقيقة محجوبة، وما دام الإفلات من العقاب يهدد بتكرار الجرائم.
وعليه، فإننا نطالب بتحقيق مستقل وشفاف في ملابسات استهداف هؤلاء الشباب ومقتلهم، وإعلان نتائجه للرأي العام، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته. ونطالب الجهات المسؤولة بالوفاء بواجباتها في حماية المواطنين والدفاع عن سيادة السودان، كما ندعو القوى السياسية المعارضة والحركات وسائر الجهات التي تدّعي تمثيل الشعب إلى إعلان مواقف واضحة، وتقديم حقوق السودانيين على الحسابات الحزبية والتحالفات والمصالح الخاصة. وندعو القوى المدنية والشبابية إلى توحيد جهودها السلمية من أجل وقف الحرب، وحماية المدنيين، واستعادة القرار الوطني، وبناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على سيادة القانون والمساءلة والعدالة.
إننا لا ندعو إلى الانتقام، ولا إلى إعادة إنتاج العنف، ولا إلى استبدال خطاب الكراهية بخطاب آخر؛ بل ندعو إلى موقف وطني مستقل يحوّل الغضب إلى وعي، والألم إلى مسؤولية، والتضحيات إلى مشروع مدني سلمي. فالسودان لن يخرج من محنته بتكرار الممارسات التي أوصلته إليها، وإنما بإرادة شعبية حرة، ومؤسسات خاضعة للقانون، وعدالة لا تستثني أحدًا، وسلام لا يساوم على حقوق الضحايا.
أيها الشباب السوداني، لا تجعلوا دماء رفاقكم خبرًا عابرًا، ولا تسمحوا بأن تصبح مآسي أهلكم أرقامًا تُنسى، ولا تتركوا مستقبل بلادكم رهينةً لصراع النخب على السلطة والنفوذ. استعيدوا حقكم في السؤال والمساءلة والتنظيم المدني السلمي، وتمسكوا بحقكم في وطن لا يُقتل أبناؤه دون تحقيق، ولا تُنتهك سيادته دون مساءلة، ولا تُنهب موارده بينما يعيش شعبه الفقر والتشرد والحرمان.
إلى كل من يحكم، وإلى كل من يعارض، وإلى كل من يتحدث باسم الثورة أو السلام أو العدالة: السودان ليس غنيمةً تتقاسمونها، والشعب ليس سلّمًا تصعدون عليه، ودماء الشباب ليست ورقةً تفاوضية، وسيادة الوطن ليست شعارًا يُرفع حين يخدم مصالحكم ثم يُطوى حين تتعارض معها.
لا أحد يملك السودان، ولا أحد يملك حق احتكار صوت شعبه. ومن يطلب ثقة السودانيين عليه أن يقبل مساءلتهم، ومن يدّعي تمثيلهم عليه أن يبرهن على ذلك بمواقفه، ومن يتحدث عن الوطن عليه أن يجعل حقوق أبنائه فوق كل اعتبار. فالوطن أكبر من أحزابكم، وأبقى من مناصبكم، وأغلى من تحالفاتكم، وكرامة شعبه ليست قابلةً للمساومة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان ليس أن يُقتل أبناؤه فحسب، بل أن يُقتلوا ثم يصمت المسؤولون، وأن تُستباح سيادته ثم يتخاذل من يدّعون الدفاع عنها، وأن يُنهب مستقبله بينما ينشغل المتنفذون بحماية مصالحهم. والأخطر من ذلك أن يعتاد المجتمع هذه المأساة، وأن يفقد الناس إيمانهم بقدرتهم على التغيير، وأن تتحول تضحيات الأجيال إلى ذاكرة موجعة لا تنتج واقعًا جديدًا.
لن نبكي السودان ثم نتركه يضيع. سنتمسك بحق شعبه في الحياة والكرامة والسيادة، وسنظل نطالب بالحقيقة والعدالة والسلام، ونرفض كل سلطة أو حركة أو جهة تجعل مصالحها فوق حقوق السودانيين.
فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الذين يتحدثون باسمه، بل إلى من يتحملون المسؤولية تجاه شعبه. ولا يحتاج إلى من يتاجرون بآلامه، بل إلى من يعملون على إنهائها. ولا يحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى دولة تحمي الإنسان وتصون كرامته وتعيد للشعب حقه في تقرير مصيره.
الحرية والسلام والعدالة ليست شعارات تُدفن مع الشهداء، بل حقوق يجب أن يعيشها السودانيون؛ والسيادة ليست ادعاءً سياسيًا، بل مسؤولية تُقاس بقدرتنا على حماية الوطن والإنسان معًا.



