أخر الأخبار

مامون علي فرح يكتب: قمة العلمين

ليست قمة العلمين التي تنعقد اليوم في مدينة العلمين الجديدة مجرد لقاء بروتوكولي عابر، بل هي قمة استثنائية بكل المقاييس، قمة تأسيسية لها ما بعدها، تجمع أربع دول تمثل قلب الأمن القومي العربي والإفريقي: مصر، والسودان، وإريتريا، والصومال.

الدعوة الكريمة التي وجهها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي لقادة الدول الثلاث، على هامش منتدى “العلمين.. أفريقيا للأعمال”، لم تأتِ من فراغ، فهي تتويج لمسار طويل من التنسيق الاستراتيجي، ورؤية مصرية واضحة تدرك أن أمن البحر الأحمر لا يتجزأ، وأن استقرار القرن الإفريقي هو جزء أصيل من أمن القاهرة القومي.

مصر لا تتعامل مع هذه الدول كملفات طارئة، بل كشركاء تاريخ ومصير، فمع السودان هناك عقيدة راسخة أعلنتها مصر في كل المحافل: الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، ووحدة أراضيه، ورفض أي مشروع لتفكيكه، ومع الصومال موقف مبدئي بدعم سيادته ووحدة أراضيه في وجه الأطماع الإقليمية، ومع إريتريا علاقة استراتيجية هادئة وراسخة بنيت على احترام السيادة وعدم التدخل.

وتأتي هذه القمة في لحظة مفصلية يمر بها الإقليم، فمن الناحية الأمنية تتعرض المنطقة لمحاولات اختراق من قوى إقليمية ودولية تسعى لعسكرة البحر الأحمر وتحويله إلى ساحة نفوذ، واجتماع الدول الأربع المطلة والمؤثرة على البحر الأحمر هو رسالة ردع واضحة بأن أمنه سيصونه أهله، لا الوافدون من الخارج.

أما من الناحية التنموية، فالمنتدى نفسه عنوانه “الأعمال”، ومصر لا تطرح شعارات، بل تطرح مشروعات، فالقاهرة تعهدت سابقاً بالمساهمة في إعادة إعمار السودان والصومال بعد حربين طويلتين استنزفتا مقدراتهما لصالح قوى تطمع في مواردهما، ووجود الشركات المصرية وخبراتها في الإعمار والبنية التحتية والطاقة والربط الكهربائي ليس حدثاً عابراً، بل هو ترجمة لاتفاقيات استراتيجية واجبة التنفيذ.

ومن الناحية السياسية، فهذه القمة إفريقية بامتياز، وهي تطبيق عملي لمبدأ “الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية” الذي طالما نادت به القاهرة، فالدول الأربع تجمعها عقيدة واحدة: رفض التدخل الخارجي، واحترام سيادة الدول، وعدم المساس بوحدتها الإقليمية، وهو المبدأ الذي أكد عليه بيان الرئاسة المصرية امس .

لقد وقفت مصر مع السودان وقفة لا ينكرها إلا جاحد، سياسياً ودبلوماسياً وإنسانياً، وفتحت أبوابها لملايين السودانيين، وظلت صوت السودان في الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وهذا الواجب الأخلاقي هو ما يجعل العلاقة بين البلدين عصية على الاهتزاز.

إن قمة العلمين اليوم هي إعلان عن ولادة محور إقليمي جديد، محور الاعتدال والسيادة والتنمية، محور يهدف لسلام مستدام وتعاون اقتصادي حقيقي يعود بالنفع على شعوب المنطقة، بعيداً عن محاور الفوضى والارتزاق، وكل الأنظار اليوم تتجه إلى العلمين، ليس انتظاراً لبيان ختامي فحسب، بل انتظاراً لخارطة طريق جديدة للقرن الإفريقي، صاغتها القاهرة بمسؤولية الكبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى