أخر الأخبار

عبد العزيز الزبير باشا يكتب: حكومة الأمل… آن أوان الحل – لم تعد تملك الحل

لم يعد السؤال: هل فشلت حكومة الأمل؟ السؤال الحقيقي: كم بقي من الوقت قبل أن تسقط الدولة معها؟

ما يجري اليوم في السودان ليس أزمة حكومة، بل أزمة وجود. حكومة تسمى “الأمل” تحولت في وجدان الشعب إلى “حكومة الألم”، ليس تهكماً بل توصيفاً دقيقاً لواقع معاش.

*أولاً: فضيحة الوقود – حين ينفي رئيس الوزراء على شعبه

ذهب رئيس مجلس الوزراء إلى محطة وقود، في زيارة استعراضية، ووقف أمام الكاميرات ليؤكد: “لا توجد أزمة وقود”.

وفي نفس اللحظة، في ذات المدينة، في ذات الساعة، كان آلاف السودانيين يقفون في صفوف تمتد لثلاثة كيلومترات، يبيتون في الشوارع، يدفعون أضعاف السعر في السوق السوداء، ومحطات مغلقة كتب عليها “لا يوجد وقود”.

هذه ليست أزمة إدارة، هذه *فضيحة سياسية وأخلاقية* للحكومة نفسها. حين ينافي رئيس الحكومة الواقع جهاراً نهاراً، فهذا يعني أحد أمرين: إما أنه لا يعرف ما يجري في بلده، وهذه مصيبة، وإما أنه يعرف وينفي، والمصيبة أعظم.

الحكومة التي تنفي على شعبها في الوقود، سوف تنفي عليه في الخبز والدواء والأمن.

وقد كتب الخبير الاقتصادي *د. هيثم فتحي* تشخيصاً دقيقاً لا يحتاج إلى تعليق، قال فيه:

> “هناك حالة احتقان شعبي وأزمة ثقة جراء استمرار تدهور العملة إلى مستويات قياسية وانهيار حاد في الخدمات العامة مثل التيار الكهربائي. بالتزامن مع ندرة حادة وارتفاع في معدلات أسعار المحروقات التي بدورها سيرتفع معها قرابة 350 سلعة لارتباطها الوثيق بأسعار المحروقات، مما يدل أن حكومة الأمل بلا خطة وبلا حلول إسعافية. مما أدخل المواطن في أزمة معيشية صعبة مع ازدياد نسبة الفقر والبطالة، ونسفت كل جهود زيادة الرواتب، حيث فقد الجنيه السوداني أكثر من مائة بالمئة من قيمته منذ تشكيل حكومة الأمل.”

انتهى كلام الخبير. وهو كلام يلخص فشلاً متكاملاً.

*ثانياً: التشخيص الكامل للفشل – حكومة بلا خطة*

1. *العملة:* الجنيه فقد أكثر من 100% من قيمته منذ تشكيل هذه الحكومة. أي أن كل زيادة رواتب أعلنتها الحكومة، أكلها التضخم قبل أن تصل إلى جيب المواطن. زيادة 50% للرواتب مع انهيار 100% للعملة تعني أن المواطن أصبح أفقر بنصف راتبه.

2. *الخدمات:* انهيار حاد في التيار الكهربائي، في المياه، في الصحة، في التعليم. المواطن يدفع فاتورة الكهرباء التي لا تأتي، وفاتورة الماء الذي لا يجري، وفاتورة العلاج الذي لا يجده.

3. *المحروقات:* وهي أم الكوارث. الوقود هو دم الاقتصاد. حين يرتفع سعره أو ينعدم، ترتفع معه *350 سلعة* فوراً. النقل، الخبز، الخضار، الدواء، كل شيء يتحرك بالوقود. الحكومة لا تعالج الأزمة، بل تعالجها بزيادة الإيرادات عبر *استقطاعها من جيب المواطن*. كل حلولهم: زيادة رسوم، زيادة ضرائب، زيادة جمارك، رفع دعم. لا يوجد حل إنتاجي واحد.

4. *الانفصال عن الواقع:* وزراء يعيشون في واقع مغاير تماماً. يتحدثون عن “التحول الرقمي” والشعب لا يجد كهرباء لشحن هاتفه. يتحدثون عن “جذب الاستثمار” والمستثمر الوطني يهرب من الجبايات. حلولهم مكتبية، مستوردة، لا علاقة لها بالسوق السوداني ولا بوجع المواطن السوداني.

نعم، هناك حرب اقتصادية مفتعلة من الخارج، ومن المليشيا وداعميها. هذا صحيح ولا ينكره أحد. لكن الحرب الاقتصادية المفتعلة *تحتاج إلى حكومة تنفيذية مدركة للواقع المعيشي، لا حكومة تزيد من وطأة الحرب على شعبها.*

*ثالثاً: الكفاءة الاستراتيجية لا الأكاديمية – الدرس المصري*

هنا بيت القصيد، وهنا مربط الفرس الذي يجب أن يصل إلى السيد الرئيس.

نحن لا نريد أكاديميين ولا حملة شهادات من خارج السودان. فشلنا في تجربة “الخواجات السودانيين”. جيء ببروفيسورات من أوروبا وأمريكا، بشهادات من هارفارد وأكسفورد، فكانوا أفشل من فشل في إدارة الدولة. لأنهم يحملون *الكفاءة الأكاديمية*، بينما الدولة في حالة حرب تحتاج إلى *الكفاءة الاستراتيجية.*

الكفاءة الاستراتيجية هي التي عاشت الأزمة، شمّت رائحة الدخان، وقفت في صف العيش، عرفت كيف يفكر تاجر سوق ليبيا وكيف يتحرك سائق حافلة في عطبرة.

انظروا إلى النموذج المصري. مصر لم تنهض بالبرادعي ولا بمن جاؤوا من الخارج. حين حاولت مصر أن تأتي بالبرادعي، فشل فشلاً ذريعاً. وحين أتت بكم عالم مصري من الخارج، فشلوا أيضاً في إدارة الدولة. لم تنهض مصر إلا حين اختارت من الداخل. وزراؤها، علماؤها، خبراؤها، كلهم من داخل مصر، يعيشون واقعها، يعرفون شوارعها. ولذلك نجحت.

السودان مليء بالكفاءات الاستراتيجية الداخلية، بالآلاف. مدراء ناجحون أداروا شركات في أحلك الظروف، ضباط إداريون، مهندسون في الميدان، اقتصاديون يعملون في السوق وليس في قاعات الجامعات البعيدة. لماذا نتركهم ونبحث عن شهادة أجنبية؟

رابعاً: القرار الحاسم – لم يعد هناك وقت

فخامة الرئيس،

الوضع لا يحتمل التأجيل. ما يحدث في محيط المنطقة – انهيار القرن الأفريقي، اشتعال البحر الأحمر، مسيرات الأبيض التي قتلت الطفل مازن أمس، حصار اقتصادي خانق – كل هذا يتطلب حكومة حرب، حكومة ميدان، حكومة واقع.

حكومة الأمل انتهت صلاحيتها. ليست لأنها سيئة النية، بل لأنها بلا أدوات، ولا خطة، ولا إحساس بالواقع، والأخطر: بلا شفافية مع الشعب.

المطلوب اليوم، وفوراً:

1. حل حكومة الأمل وتشكيل حكومة واقعية من أرض الواقع السوداني.
2. معيار الاختيار: الكفاءة الاستراتيجية والميدانية، وليس الشهادة الأكاديمية الأجنبية.
3. حكومة كفاءات داخلية: تعيش بين الناس، تعرف أسعار السوق، لا تحتاج إلى زيارة استعراضية لمحطة وقود لتعرف أن هناك أزمة.
4. إعلان اقتصاد حرب وغرفة طوارئ سيادية تدير المحروقات والعملة والكهرباء بقرارات سيادية، لا بجبايات.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11].

لقد تغير كل شيء حولنا، إلا هذه الحكومة بقيت تردد نفس الكلام ونفس الوعود.

آن أوان التغيير. آن أوان الحل.

وطن بلا مجاملة
د. عبدالعزيز الزبير باشا
*02/10/2026*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى