أخر الأخبار

حين تُختطف الديمقراطية ويُستعمل السلام قناعاً للسلطة

بقلم: د. أحمد عبدالله إسماعيل

أصبح مصطلحا الديمقراطية والسلام في السودان من أكثر المفاهيم التي تعرضت للاختطاف والتفريغ من مضمونها الإنساني والأخلاقي؛ فالمفاهيم التي طورتها الإنسانية عبر تجارب طويلة ومؤلمة لتكون أدوات لحماية الإنسان من الاستبداد والعنف، وصون كرامته وحريته، وضمان حقه في المشاركة والاختلاف، وإنهاء الحروب والنزاعات، تحولت في واقعنا السياسي إلى شعارات تتداولها القوى والأجسام السياسية بحسب حاجتها، وتوظفها في التكسب السياسي، والسيطرة على وعي المجتمع، وإدارة اتجاهاته، والتنافس على السلطة والنفوذ وموارد الدولة. وهكذا أصبحنا أمام مفارقة مؤلمة: الجميع تقريباً يتحدث عن السلام، والجميع تقريباً يتحدث عن الديمقراطية، لكن عندما ننتقل من الكلمات إلى الممارسة، ومن الشعارات إلى تاريخ أصحابها وسلوكهم، تظهر هوة عميقة بين ما يقال وما يُفعل.

لقد أصبح في السودان من يتحدث عن الديمقراطية بينما لا يحتمل أبسط أشكال الاختلاف، ومن يتحدث عن السلام بينما لا يزال ينظر إلى خصومه بمنطق الإقصاء والكراهية، ومن يتحدث عن الدولة المدنية بينما يتعامل مع المجتمع بعقلية الوصاية واحتكار الحقيقة. بل إن بعض الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم ممثلين للديمقراطية لم تكن الديمقراطية في تاريخ ممارساتهم السياسية والتنظيمية قيمةً راسخة، كما أن بعض الذين يرفعون شعار السلام لم يجعلوا الإنسان وكرامته وحمايته نقطة الانطلاق في مواقفهم. ولذلك فإن المشكلة لم تعد في غياب الشعارات، وإنما في أن الشعارات نفسها أصبحت تُستخدم أحياناً لتغطية ممارسات تناقضها.

الديمقراطية ليست كلمة تُقال في المؤتمرات، ولا لافتة تُرفع للوصول إلى السلطة، ولا وسيلة للحصول على شرعية سياسية، ولا امتيازاً تمنحه النخب لنفسها ثم تحجبه عن الآخرين. الديمقراطية في جوهرها اعتراف كامل بالإنسان وحقه في أن يكون حراً، وأن يعبّر عن رأيه، وأن يختلف، وأن ينتقد، وأن يرفض، وأن يشارك في تقرير مصيره ومستقبل وطنه دون خوف أو تهديد أو وصاية. ولذلك فإن الإنسان الذي يُعاقب لأنه تحدث، أو يُرهب لأنه اختلف، أو يُقصى لأنه انتقد، أو يُعامل باعتباره عدواً لمجرد أنه لم يوافق الرأي السائد، لا يعيش في بيئة ديمقراطية مهما كثرت فيها الكلمات التي تحمل اسم الديمقراطية.

وهنا تحديداً تتجلى المأساة السودانية. كيف يمكن أن نتحدث عن الديمقراطية بينما يُضرب الإنسان أو يُرهب أو يُلاحق لمجرد أنه عبّر عن رأي مخالف؟ وكيف يمكن أن نتحدث عن حرية التعبير إذا كان الاختلاف مع من يملك القوة أو النفوذ يمكن أن يجعل صاحبه هدفاً للعقاب؟ وكيف يمكن لمجموعة أن تدعي احتكار تمثيل الشعب ثم تعتبر أن لها وحدها حق الكلام، وأن على الآخرين أن يصمتوا؟ إن الديمقراطية التي لا تحمي حق المختلف ليست ديمقراطية، والسلام الذي لا يحمي المدنيين من الموت والجوع والنزوح والانتهاكات ليس سلاماً بالمعنى الذي يستحقه الشعب السوداني.

لقد تحولت الديمقراطية، في بعض الممارسات السياسية السودانية، من وسيلة يفترض أن تمنح الشعب صوته إلى آلة يُسلب بها صوت الشعب. وتحولت من مساحة لحماية الضحايا والمدنيين إلى مساحة تتنافس فيها القوى على الحديث باسمهم. أصبح النازح واللاجئ والمرأة والشاب والطفل والمجتمع المحلي موضوعاً للخطابات والبيانات، بينما لا يزال صوتهم الحقيقي بعيداً عن مركز صناعة القرار. وفي هذه المفارقة تحديداً يكمن أحد أسباب الفشل الذي وصل إليه السودان: أن من يفترض أن يكونوا في قلب العملية السياسية، وهم المواطنون والضحايا والمدنيون، أصبحوا في كثير من الأحيان مجرد موضوع تتحدث عنه النخب، لا شركاء حقيقيين في تحديد مستقبل البلاد.

إن الديمقراطية التي عرفها العالم لم تُبنَ لكي تمنح السياسيين لغةً أكثر أناقة لممارسة السيطرة، وإنما نشأت من نضال الإنسانية ضد الاستبداد، ومن الحاجة إلى تقييد السلطة، وحماية الحقوق، وضمان المساواة، وإتاحة المجال للاختلاف والمساءلة. ولذلك فإن استدعاء اسم الديمقراطية مع ممارسة الإقصاء والقمع واحتكار الحقيقة ليس دفاعاً عن الديمقراطية، وإنما تفريغ لها من معناها. وكذلك فإن السلام ليس مجرد اتفاق بين أطراف سياسية، ولا مجرد توقيع على وثيقة، ولا مجرد ترتيبات لتوزيع المواقع والنفوذ؛ السلام الحقيقي هو أن يتوقف قتل الإنسان، وأن يشعر المدني بالأمان، وأن يجد الطفل غذاءه ورعايته وتعليمه، وأن تستطيع المرأة أن تعيش دون خوف، وأن يعود النازح إلى أرضه، وأن يصبح القانون قادراً على حماية الجميع دون تمييز.

ولو كان الإيمان بالديمقراطية والسلام في السودان إيماناً حقيقياً لا مجرد خطاب سياسي، لما أصبح موت المدنيين مشهداً متكرراً، ولما وجد ملايين السودانيين أنفسهم في صفوف النزوح، ولما واجه الأطفال الجوع والمرض وفقدان التعليم والرعاية، ولما ظلت النساء تتحملن أعباء الحرب وآثارها، ولما أصبحت حياة الإنسان وكرامته في كثير من المناطق رهينةً للظروف الأمنية والاقتصادية والسياسية. إن الإنسان هو الاختبار الحقيقي لأي خطاب سياسي؛ فإذا لم تنتهِ الديمقراطية إلى حماية الإنسان، وإذا لم ينتهِ السلام إلى وقف معاناته، فإن الكلمات مهما كانت جميلة لا تستطيع أن تخفي الحقيقة.

والمشكلة أن بعض القوى لا تزال تمارس التضليل بالطريقة نفسها، وتخاطب العالم بلغة الديمقراطية والسلام، بينما تكشف ممارساتها عن عقلية لا تقبل التصالح، ولا تحتمل الاختلاف، ولا تؤمن بالتعدد، ولا تضع الإنسانية والكرامة فوق المصالح السياسية. إن الديمقراطية لا يمكن أن تتعايش مع الدكتاتورية والانتهازية واحتكار الحقيقة، والسلام لا يمكن أن يُبنى على الكراهية، والإنسانية لا يمكن أن تكون مجرد مفردة في خطاب سياسي بينما تُهدر كرامة الإنسان في الواقع. ومن ثم فإن الخلل ليس في المفاهيم نفسها، وإنما فيمن يحاولون استخدامها دون الالتزام بالمعاني التي قامت عليها.

إن ألم السودان أعمق من أن يُختزل في الخطاب السياسي الذي تقدمه النخب، وأكبر من أن يُفهم فقط من خلال البيانات التي تصدر عن الأطراف والقوى المتنافسة. العالم بحاجة إلى أن يفهم السودان من زاوية الإنسان السوداني الذي يعيش المأساة، لا من زاوية من يتحدثون باسمه. وبحاجة إلى أن يميز بين الديمقراطية التي تُستخدم لحماية المجتمع، والديمقراطية التي تُستخدم للسيطرة عليه؛ وبين السلام الذي يهدف إلى إنهاء معاناة الشعب، والسلام الذي يتحول إلى وسيلة للتكسب السياسي أو إعادة توزيع السلطة والنفوذ.

ولهذا فإننا بحاجة إلى أن نترجم الديمقراطية إلى حقيقتها، لا إلى النسخة التي يريد كل طرف أن يفرضها على المجتمع. الديمقراطية الحقيقية تعني أن يكون الإنسان السوداني حراً في التعبير والاختلاف والمشاركة والمساءلة، وأن لا يصبح صوته رهينةً للسلاح أو المال أو النفوذ أو الانتماء السياسي. وتعني أن لا يُصادر صوت الضحية باسم الدفاع عنه، وأن لا تُختزل إرادة المجتمع في إرادة مجموعة تدعي تمثيله، وأن لا تتحول معاناة الشعب إلى رأس مال سياسي تتنافس الأطراف على استثماره.

إن الشعب السوداني لا يحتاج إلى مزيد من الذين يتحدثون عن الديمقراطية بقدر ما يحتاج إلى أن يعيشها، ولا يحتاج إلى مزيد من الذين يتحدثون عن السلام بقدر ما يحتاج إلى أن يلمسه في حياته اليومية. يريد المواطن أن يستطيع التعبير عن رأيه دون خوف، وأن يختلف دون أن يتحول اختلافه إلى تهمة، وأن ينتقد دون أن يُعاقب، وأن يختار من يمثله دون وصاية. ويريد أن يرى السلام في أمن منزله، وفي عودة النازحين إلى قراهم ومدنهم، وفي حماية النساء والأطفال، وفي وصول الغذاء والدواء، وفي توقف الانتهاكات، وفي استعادة الحياة الطبيعية، وفي وجود دولة تنظر إلى المواطن باعتباره صاحب حق لا مجرد تابع.

إن استمرار استخدام الديمقراطية والسلام بهذه الصورة يمثل خطراً بالغاً على مستقبل السودان؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعب أنهكته الحرب هو أن يفقد الثقة في المفاهيم التي كان يفترض أن تكون طريقه إلى الخلاص. وعندما يصبح كل طرف قادراً على رفع شعار الديمقراطية والسلام بينما يمارس ما يناقضهما، تفقد الكلمات قيمتها، ويصبح المواطن أمام خطاب سياسي لا يستطيع أن يميز فيه بسهولة بين المبدأ الحقيقي والأداة المستخدمة للوصول إلى السلطة.

ولهذا فإن مسؤوليتنا الوطنية والإنسانية تقتضي أن نقول الحقيقة دون مواربة: لا توجد ديمقراطية حقيقية مع إقصاء الآخر، ولا يوجد سلام حقيقي مع استمرار معاناة المدنيين، ولا توجد دولة مدنية حقيقية مع احتكار القوة، ولا توجد حرية حقيقية إذا كان الإنسان يخشى من التعبير عن رأيه. ولا يمكن أن يكون الحديث عن كرامة الإنسان صادقاً إذا ظل الإنسان السوداني يموت أو ينزح أو يجوع بينما تستمر النخب في إنتاج الخطابات ذاتها التي لم توقف النزيف ولم تضع حداً لمعاناة الشعب.

إن السودان بحاجة إلى استعادة الديمقراطية من أيدي الذين حولوها إلى أداة للسلطة، واستعادة السلام من أيدي الذين جعلوه لغة للمساومة السياسية، واستعادة الدولة من منطق الغنيمة والنفوذ، وإعادة الإنسان إلى مركز المشروع الوطني. فالديمقراطية ليست ملكاً للسياسيين، والسلام ليس امتيازاً للمتفاوضين، والوطن ليس غنيمةً تتقاسمها مراكز القوة. هذه كلها حقوق للشعب، وغايتها الأولى والأخيرة هي الإنسان.

لقد طال استخدام الشعب السوداني وقوداً للصراعات، وطال استخدام معاناته وسيلة لاكتساب الشرعية، وطال الحديث باسمه دون الاستماع إليه. ولذلك فإن المرحلة التي يعيشها السودان تفرض علينا أن نكسر هذه الحلقة؛ أن نرفض ديمقراطية تُقال ولا تُمارس، وسلاماً يُعلن ولا يصل إلى المدنيين، وتمثيلاً سياسياً يُقصي أصحاب القضية أنفسهم. فالضحايا ليسوا هامشاً في صناعة السلام، والمدنيون ليسوا جمهوراً في مسرح السياسة، والنازحون واللاجئون ليسوا أرقاماً في التقارير، والشباب والنساء ليسوا أدوات لتجميل المؤتمرات؛ إنهم أصحاب حق أصيل في تحديد مستقبل وطنهم.

إن المعركة الحقيقية في السودان ليست معركة شعارات، ولا صراعاً بين من يرفع الديمقراطية ومن يرفع السلام، وإنما هي معركة من أجل استعادة المعنى الحقيقي لهذه المفاهيم من أيدي من يستخدمونها لأغراض أخرى. إنها معركة من أجل أن تصبح السلطة مسؤوليةً لا امتيازاً، والديمقراطية ممارسةً لا زينةً سياسية، والسلام حمايةً للإنسان لا ترتيباتٍ بين المتصارعين، والدولة مؤسسةً لخدمة المجتمع لا أداةً للسيطرة عليه.

وإذا كان الذين يتحدثون عن الديمقراطية يؤمنون بها حقاً، فعليهم أن يقبلوا بالاختلاف. وإذا كان الذين يتحدثون عن السلام يريدونه حقاً، فعليهم أن يجعلوا حماية المدنيين أولويةً لا هامشاً. وإذا كان الذين يتحدثون عن الوطن يؤمنون به حقاً، فعليهم أن يدركوا أن الوطن ليس ملكاً لحزب أو حركة أو جماعة أو نخبة، وإنما ملكٌ لشعبه كله، وأن لا أحد يملك حق مصادرة صوته أو احتكار مستقبله.

فالديمقراطية ليست أن تقول إنك ديمقراطي؛ وإنما أن تقبل بحق الآخر في أن يختلف معك. والسلام ليس أن تقول إنك تريد السلام؛ وإنما أن تجعل حياة الإنسان وكرامته فوق مصالحك. والإنسانية ليست أن تتحدث عن الضحايا؛ وإنما أن تضع حياتهم وحقوقهم وكرامتهم في قلب كل قرار وموقف ومشروع.

لقد آن الأوان لأن نعيد تعريف السياسة السودانية من نقطة الصفر: ليس بالسؤال عن من يملك السلطة، وإنما عن كيف تُمارس السلطة؛ وليس بالسؤال عمن يتحدث باسم الشعب، وإنما عن من يستمع إلى الشعب؛ وليس بالسؤال عن من يرفع شعار الديمقراطية والسلام، وإنما عن مدى انعكاس هذين المبدأين على حياة الإنسان السوداني.

فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات التي تُرفع فوق آلامه، ولا إلى مزيد من الخطابات التي تتحدث باسم ضحاياه دون أن تمنحهم صوتاً. السودان يحتاج إلى ديمقراطية يعيشها المواطن، وسلام يحميه، ودولة تصون كرامته، وقانون يكون فوق الجميع، ووطن لا يكون فيه الاختلاف سبباً للخوف، ولا يكون فيه السلاح طريقاً إلى الحقيقة، ولا تكون فيه السلطة غايةً تتقدم على الإنسان.

إن السودان لن يخرج من أزمته حين تتغير الكلمات، وإنما حين تتغير علاقتنا بالإنسان؛ وعندما تصبح الديمقراطية حقاً يُمارس، والسلام واقعاً يُعاش، والكرامة الإنسانية خطاً لا يجوز لأي سلطة أو جماعة أو قوة أن تتجاوزه. عندها فقط تستعيد الديمقراطية معناها، ويستعيد السلام حقيقته، ويستعيد السودان حقه في أن يكون وطناً لجميع أبنائه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى