أخر الأخبار

امل ابو القاسم تكتب: حين غلبت الدموع الكلام.. البرهان يستعيد وجع الحرب ووفاء السودان

ربما كانت هي المرة الأولى التي يستفيض فيها البرهان ويسترسل، مستدعياً تفاصيل مهمة في الماضي شكّلت الحاضر الآن، وقد كان هذا مهماً، سيما أنه أزال لبساً اختلط أو غاب عن كثيرين، وتحمل وحده وزر بعضه. بيد أن لقاء المكاشفة بين السيد رئيس مجلس السيادة، القائد العام للجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ومجموع مقدر من الإعلاميين الذين ظلوا بالخارج والوافدين من بلاد الله، بعد أن أجبرت الحرب اللعينة بعضهم على اللجوء، فكان لقاءً وجدانياً اختلطت فيه المشاعر من فيض حديث البرهان وتأثره وهو يقص تفاصيل مرحلة ما قبل وبعد الحرب.

ولعل أول ما تناوله هو إشاداته بالإعلام لأهميته في وضع المتلقي في الصورة، فضلاً عن الأدوار التي قام بها الإعلاميون، كل من موقعه، وأدهش الحاضرين عندما قال إنه يتابع بنفسه ما يتم تناوله ولا يعتمد على أحد. وطالب بالاستمرار في ذات النسق، بحسبان أن الأدوار الوطنية للإعلام لا تقل أهمية عن معركة الميدان. ووعد سيادته بالعمل على تنفيذ التوصيات التي قُدمت له بعد ثلاثة أيام، وكانت نتاج عصف ذهني خلال ملتقى الإعلاميين.

السيد البرهان لم يترك شاردة أو واردة إلا وتطرق لها، حتى كفى الصحفيين عن السؤال عنها إلا قليلاً. وقف الرجل وقد بدا مرهقاً شاحب الوجه، ما يشي بأنه لم يأخذ قسطاً كافياً من النوم والراحة، سيما أنه وقبل يوم واحد كان يجلس إلى الخماسية وغيرها. ثم كيف لا، وهو مهموم بكل أمور الدولة، وما يجري في الميدان، وأمور السياسة المتشابكة والمعقدة، وكذا الاقتصاد والعملة في انهيار أثر بشكل مباشر على معاش الناس بالداخل والخارج، وغير ذلك مما يشغل باله وتفكيره، وهو المسؤول الأول في البلاد.

قلت إنها استفاضت، ولم يترك أمراً إلا وتناوله وشرح ما يحيط به. سبقتني الأخبار والأساتذة الكُتّاب في كشف البرهان لخفايا تكوين الدعم السريع، وقد ظلت أصابع الاتهام تلاحقه بأنه من مكّنهم وقوّى عودهم حتى انقلبوا على الدولة، بيد أن الحقيقة أن الرئيس السابق، المشير عمر البشير، هو من قوى شوكتهم، مبيناً أنهم قبل الحرب وفي العام 2017 كانوا 24 ألفاً، ثم تَمَرحَلوا، أضيف إليهم حرس الحدود وغير ذلك من التناسل، حتى بلغوا مع قيام الحرب 75 ألفاً، شارحاً كيف حاولوا إثنائه عن هذا التضخيم، غير أن البشير لم يأبه لهم، بل أوصى الإمارات بدعمهم. قال البرهان: عندما جلست إلى بن زايد وسألته عن الأمر، ولم لا يدعمون الجيش بدلاً عنهم، كان رده بأنه: «أصدقاؤهم من زمان». وأكد البرهان أنه ومنذ الإطاحة بحكمه لم يمنح الدعم السريع نمرة عسكرية.

قلنا إنه لم يترك أمراً إلا ووضعه أمام الجمع، وكان مرتباً في حديثه وتسلسل التفاصيل، حتى إن ساعتين مرتا دون أن ينتبه أحد للأهمية القصوى لكل ما تفضل به. تحدث عن الحوار وأهميته، وكيف أن هذه المرحلة تمهيدية، سبقها الحديث عن فترة السياسيين وقوى الحرية والتغيير، وتفاصيل دقيقة وجديدة عن تلقيه عرضاً بخلاف الإطاري وفي نفس توقيته، تمنحه البقاء على كرسيه عشرة أعوام مقابل دمج المليشيا بعدها، أي بعد عشر سنوات. فرفضوه.
التكريس للمليشيا وتمكينها في البلاد بدا أنه ليس حديث عهد، بل أمر ظل يُدبّر له بالداخل والخارج، بمعاونة سياسيي قوى الحرية والتغيير، ثم وبعد أن فشلت حربهم في الميدان، ورغم الفظائع التي ارتكبتها المليشيا ومرتزقتها، التي شهد بها العالم، ما زال تحالف الخارج يعمل على إرجاعها وزجها في المشهد مرة أخرى بحيل شتى. وفضح السيد القائد ذرائع بعضهم عبر الهدن والإنسانيات، وقال إن آخر مقترح تلقوه يدعو إلى هدنة 90 يوماً، على أن يخرج الدعم من الميدان وفق الشروط التي وضعتها السلطات مسبقاً بعدها، أي بعد التسعين يوماً. فتم رفضه.
كل ذلك وغيره الكثير كشف عنه السيد القائد البرهان، لكن أكثر ما شد وهز مشاعره ومشاعر الحاضرين، حتى سالت الدموع تبعاً للغصة التي اعترضت حلقه وأبت دمعته إلا أن تنزل، تلكم التي تحدث فيها عن أيام الحرب الأولى ومعاناة الجنود والقادة الذين لم يتمكنوا من مغادرة القيادة وبعض المواقع، وكيف جاعوا حتى إن بعضهم لم يقوَ على الحراك، وهم لا مال في يدهم وقتها، ولا وجيع يحس ما يقاسيه هؤلاء، إلا أن سخر الله لهم شخصين لم يفصح عنهما، استدانوا منهما مبلغاً من المال دبروا به حالهم.
ثم تدريجياً، وعبر الطيران، كان يسقط لهم الطعام من مستوى أربعين قدماً فوق الأرض، ثم تدريجياً بدأ بعض شباب الأحياء يتسللون إلى القيادة ويتم تدريبهم، بعضهم نجا لاحقاً، وبعضهم قضى واستشهد. وقال إن الشعب لم يقصر معنا، وهنا سكت الكلام لتتحدث دموع القاعة.
كان اللقاء ثرياً جميلاً لا يُمل، تملكنا فيه مجريات أحداث الحرب وما قبلها بكل شفافية. خرجنا من القاعة البهية الزاهية أكثر راحة، ونحن نطمئن ونطمئن شعبنا بأن أمرنا في أيدٍ أمينة، لا تقبل لنا الزلة أو المهانة، وتسعى لما يحقق طموحاته في الأمن والسلم، والحكم المدني الديمقراطي الذي تضعه القيادة نصب أعينها، بعد القضاء على المليشيا وتنظيف البلاد من شرها.

والوعد بأن البلاد، بإذنه، ستعود أحسن مما كانت. ولا يتأتى ذلك إلا إذا التف الشعب حول جيشه وقيادته وقيادة البلاد، وعزز الثقة فيما يقومون به من جهد، وهم يصلون الليل بالنهار دون كلل من أجل السودان ورفعته وحفظ كرامته وأهله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة + 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى