أخر الأخبار

خبر وتحليل – عمار العركي – الــدقيـــق .. مطلــوب حضور الأمن الاقتصادي

دور إدارة الأمن الاقتصادي يبدأ قبل الأزمة، و مابعدها فهو دور أجهزة أخرى.

ما إن جف حبر قرار تشكيل اللجنة الاقتصادية، حتى ارتفع الدولار مجددا، وأطلت أزمة الدقيق، لتضع ملف السلع الاستراتيجية في الواجهة. لكن القضية في تقديري تتصل بدور مهم غاب عن المشهد، هو دور إدارة الأمن الاقتصادي في اكتشاف مخاطر السلع الاستراتيجية والتعامل معها قبل تحولها إلى أزمات.

السلع الاستراتيجية، كالقمح والدقيق والوقود والأدوية، تدخل في عملية الأمن والاستقرار العام، خصوصا في ظروف الحرب. فأي خلل في الاستيراد أو التمويل أو النقل أو التخزين أو التوزيع يمكن أن يتحول سريعا إلى أزمة معيشية، ثم إلى أزمة اجتماعية وسياسية وأمنية.

وهنا تبرز أهمية الاستفادة من التجربة السابقة لإدارة الأمن الاقتصادي، التي راكمت خلال سنوات طويلة خبرة عملية في متابعة السلع الاستراتيجية، ورصد حركة الاستيراد والتوزيع والأسعار والمخزون، والتعامل مع مؤشرات الاحتكار والتهريب والمضاربة والتلاعب، بالتنسيق مع الجهات الاقتصادية والرقابية ذات الصلة.

تلك التجربة لم تكن تنتظر الأزمة حتى تبدأ إجراءاتها. فالمعلومة كانت تصل قبل الحدث، ويتم تحليل حركة السوق والسلعة والتمويل والنقد الأجنبي، ورصد الاختناقات التي يمكن أن تقود إلى أزمة، ثم رفعها إلى الجهات المختصة لاتخاذ القرار.

في هذا السياق، يقول اللواء م. صلاح فتح الرحمن، الذي عمل سابقا في إدارة الأمن الاقتصادي، إن ( دور إدارة الأمن الاقتصادي يبدأ قبل الحدث، أما بعد وقوع الحدث فهو دور أجهزة أخرى). وهذه العبارة لخصت جوهر التجربة السابقة، وظيفة الأمن الاقتصادي ليست مطاردة الأزمة بعد وقوعها، وإنما اكتشاف مقدماتها ومنع وصولها إلى المواطن.

وفي هذا السياق، يقول اللواء م. صلاح فتح الرحمن إن ” كثيرا من الأزمات الأخطر تم احتواؤها في السابق، ولم يشعر بها المواطن أصلا، لأنها عولجت قبل أن تتفاقم”. ويضيف أن “هذا كان بالنسبة لإدارة الأمن الاقتصادي عملا روتينيا يوميا، يقوم على رصد المؤشرات والتعامل معها قبل أن تتحول إلى أزمة”.

لذلك، فإن أزمة الدقيق الحالية تستحق أن تكون فرصة لاستدعاء التجارب والخبرات وتطويرها، لا باستنساخ التجربة السابقة، وإنما بتحديث أدواتها لتناسب اقتصاد الحرب. المطلوب بجانب الصلاحيات الكافية، منظومة معلومات وإنذار مبكر تتابع المخزون، والاستهلاك، والاستيراد، والتمويل، والنقد الأجنبي، وحركة النقل والتوزيع، وتحدد مستويات الخطر قبل الوصول إلى مرحلة الندرة.

وفي المقابل، يجب أن يبقى القرار الاقتصادي بيد مؤسساته المختصة. فالأمن الاقتصادي لا يدير الاستيراد ولا يحدد الأسعار ولا يحل محل وزارة المالية أو بنك السودان أو الجهات التموينية. دوره هو توفير المعلومة، كشف المخاطر، حماية النشاط الاقتصادي المشروع، ومواجهة التهريب والاحتكار والتخريب والفساد وشبكات الأموال غير المشروعة.

مطلوب إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات الاقتصادية والأمنية والرقابية، بحيث تكون هناك آلية واضحة لتبادل المعلومات واتخاذ القرار عند ظهور مؤشرات تهدد سلعة استراتيجية. فلا معنى لمعلومة أمنية لا تصل إلى صاحب القرار، ولا قيمة لقرار اقتصادي لا يستند إلى معلومات حقيقية عن السوق ومخاطرها.

كما أن مفهوم المخزون الاستراتيجي يحتاج إلى مراجعة، خاصة في ظروف الحرب. فالدولة تحتاج إلى معرفة الحد الأدنى الآمن من القمح والدقيق والوقود والأدوية، ومتى يجب أن تبدأ إجراءات الاستيراد والتعويض، بدلا من الانتظار حتى تنخفض المخزونات وتبدأ أزمة المخابز أو الأسواق.

المطلوب ليس إنشاء أجهزة ولجان وقرارات جديدة بقدر ما المطلوب استعادة وتطوير الخبرة المتراكمة، والاستفادة من الكوادر التي عملت في هذا المجال، وتحويل التجربة السابقة إلى نظام حديث للأمن الاقتصادي والإنذار المبكر، يعمل بصورة مستمرة وليس كرد فعل على الأزمات.

*خلاصة القول ومنتهاه:*
أزمة الدقيق الحالية تؤكد أن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عند المخبز ووزن الخبز ولا عند السعر، وإنما يبدأ عند أول مؤشر على خلل في الاستيراد أو التمويل أو المخزون أو التوزيع. والتجربة السابقة لإدارة الأمن الاقتصادي في ملف السلع الاستراتيجية تمثل رصيدا يمكن البناء عليه وتطويره، لا استبعاده أو إهداره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحدى عشر + 10 =

زر الذهاب إلى الأعلى