
استغاثة من قلب كردفان أنقذوا الغُرّة أم خيراً جوّا
كلام سياسةالصافي سالم
هذه ليست كلمات تُكتب بحثاً عن عنوان مثير، ولا مقالاً سياسياً للمزايدة على أحد، وإنما صرخة استغاثة من قلب كردفان؛ من الأبيض، الغُرّة أم خيراً جوّا وبرّا، المدينة التي فتحت أبوابها وبيوتها للنازحين والفارين من الحرب، وتقاسمت معهم الماء والزاد والأمان، لكنها اليوم تحتاج إلى من يمد إليها يد الدولة قبل أن يتحول نقص المياه والغذاء إلى أزمة إنسانية أكبر.نرفع هذه الاستغاثة أولاً إلى رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وإلى رئيس مجلس الوزراء الانتقالي البروفيسور كامل إدريس، وإلى وزير المالية والتخطيط الاقتصادي الدكتور جبريل إبراهيم، وإلى أبناء كردفان في مؤسسات الدولة والحكومة المركزية، وفي مقدمتهم الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، وإلى وزيري الدفاع والخارجية والتعاون الدولي، وكل من يملك قراراً أو مالاً أو قدرة على التحرك:أنجدوا الأبيض.. أنجدوا أهل كردفان.. فالعطش لا ينتظر، والجوع لا يعرف المواعيد والبروتوكولات.
الأبيض اليوم ليست المدينة التي عرفناها قبل الحرب. فقد أصبحت ملاذاً لآلاف الأسر التي دفعتها ظروف القتال والنزوح من مناطق واسعة في كردفان إلى البحث عن الأمن والاستقرار. كل أسرة وصلت إلى الأبيض أضافت احتياجاً جديداً للماء والغذاء والدواء والمأوى، بينما البنية التحتية للمدينة ومصادر مياهها لم تُنشأ أصلاً لاستيعاب هذا الضغط الاستثنائي.وهنا تكمن خطورة المشهد.إن ملف مياه الأبيض لم يعد ملف خدمات يمكن تأجيله إلى موازنة قادمة، ولا قضية محلية تُترك لحكومة الولاية وحدها وهي تواجه أعباء الحرب والنزوح وشح الموارد. مياه الأبيض أصبحت قضية أمن إنساني وقومي تتطلب تدخلاً مركزياً عاجلاً.مصادر المياه التي ظلت تعتمد عليها المدينة تعرض بعضها للتعطل والأضرار، فيما يواجه مشروع مياه بارا تحديات كبيرة، وتزداد الضغوط على المصادر والآبار المحلية. ومع ضعف الموسم المطري في بعض المناطق، يصبح السؤال المخيف الذي يجب أن يوضع منذ اليوم على طاولة الدولة من أين ستشرب الأبيض إذا استمر تراجع المخزون المائي لا نريد أن يأتي يوم نكتب فيه عن الأزمة بعد وقوعها.نريد أن تتحرك الدولة قبل الكارثة لا بعدها.نريد فريقاً اتحادياً فنياً يصل إلى الأبيض وبارا، ويقف ميدانياً على مصادر المياه والآبار والخزانات وشبكات النقل والتوزيع، ويحدد الاحتياجات والتكلفة والجدول الزمني بصورة عاجلة.نريد من وزارة المالية أن تتعامل مع مياه الأبيض باعتبارها بند طوارئ، وأن توفر التمويل المطلوب لإعادة تأهيل المصادر المتضررة وحفر وتجهيز مصادر إضافية، ودعم الحلول الإسعافية التي تضمن وصول المياه الصالحة للشرب إلى المواطنين والنازحين.ونريد من الحكومة أن تفتح الباب أمام المنظمات الوطنية والدولية والشركاء والدول الشقيقة للمساهمة في مشروع طوارئ مياه كردفان، لأن توفير الماء لملايين المواطنين ليس قضية سياسية، بل واجب إنساني لا يحتمل الانتظار.ثم يأتي الخطر الثاني: الغذاء.حين ترتفع أسعار الحبوب الأساسية ويصبح الحصول على قوت الأسرة اليومية عبئاً ثقيلاً، بينما الحرب عطلت الإنتاج وأغلقت طرقاً ودفعت أعداداً كبيرة من المنتجين بعيداً عن أراضيهم، فإن ناقوس الخطر يجب أن يُقرع مبكراً.كردفان التي كانت تطعم غيرها لا ينبغي أن تُترك تواجه شبح الجوع.
ومن هنا فإن استغاثتنا لا تقتصر على الماء وحده، وإنما ندعو إلى خطة طوارئ اتحادية متكاملة للأبيض وكردفان تشمل المياه والغذاء والدواء ودعم النازحين وتأمين حركة السلع وفتح الطرق ودعم الموسم الزراعي والمخزون الاستراتيجي.
وإلى أبناء كردفان في الحكومة ومؤسسات الدولة نقولها بمحبة ومسؤولية: هذه ساعتكم.
كردفان لا تطلب امتيازاً، ولا تريد نصيباً أكبر من الآخرين، وإنما تطلب حق أطفالها ونسائها وشيوخها في شربة ماء نظيفة ولقمة تحفظ كرامتهم.
وإلى الفريق أول ركن شمس الدين كباشي وكل أبناء كردفان في القيادة والدولة: الأبيض اليوم تناديكم، وأهلها ينتظرون منكم موقفاً يوازي حجم هذه اللحظة.وإلى الرئيس البرهان نقول: يا سيادة الرئيس، وجّه الدولة نحو الأبيض قبل أن يسبقنا العطش.وإلى رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس نقول اجعل ملف مياه الأبيض وكردفان في مقدمة أولويات حكومتك، وأرسل لجنة الطوارئ اليوم قبل الغد، فهذه قضية لا تحتمل دورة مستندية طويلة ولا انتظاراً حتى تتفاقم الأزمة.وإلى وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم: الماء اليوم أهم من كثير من بنود الصرف،والأبيض تحتاج قراراً استثنائياً وتمويلاً استثنائياً لظرف استثنائي.وإلى رجال الأعمال والمنظمات والخيرين وأبناء كردفان داخل السودان وخارجه: هذه أرضكم وأهلكم، وقد حان وقت النفرة من أجل الماء والغذاء.الأبيض صمدت أمام الحرب، واستقبلت النازحين، وتقاسمت معهم القليل الذي تملكه، فلا تجعلوها تقف وحيدة أمام العطش والجوع.أنقذوا الغُرّة أم خيراً جوّا وبرّا.
أنقذوا عروس الرمال.
الماء أولاً. ثم الغذاء والدواء.فالمدن يمكن أن تتحمل ضيق الكهرباء والطرق والخدمات لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تنتظر الماء.وهذه الاستغاثة نضعها على مكتب قيادة الدولة اليوم، آملين ألا نضطر غداً إلى كتابة سؤال أكثر إيلاماً
لماذا لم نتحرك عندما كانت أمامنا فرصة لإنقاذ الأبيض



