
تقرير .. سونا
تطل على السودان الذكرى الثانية والسبعون لعيد الجيش السوداني، في الرابع عشر من أغسطس، هذا العام تحت شعار «جيش منتصر.. وشعب مقتدر»، وهي مناسبة تتجاوز في دلالاتها مظاهر الاحتفال، لتستدعي في الذاكرة الوطنية مسيرة مؤسسة ظلت حاضرة في محطات مفصلية من تاريخ البلاد، كما تفتح الباب للتأمل في علاقة القوات المسلحة بالمجتمع ومستقبل الدولة السودانية بعد الحرب.
وتعود جذور القوات المسلحة السودانية إلى العام 1925، حين تشكلت وحدات عسكرية سودانية عرفت في مراحلها الأولى بقوات دفاع السودان، وشاركت وحدات منها في الحرب العالمية الثانية، قبل أن تتطور المؤسسة العسكرية السودانية وصولاً إلى مرحلة السودنة وبناء القوات المسلحة الوطنية.
وخلال مسيرتها، شاركت القوات المسلحة في عدد من المحطات العسكرية خارج وداخل السودان، من بينها مشاركتها في حرب أكتوبر 1973 ضمن الجهد العسكري العربي في مواجهة إسرائيل، إلى جانب خوضها معارك امتدت لأكثر من خمسة عقود خلال الحرب الأهلية في جنوب السودان، والتي استمرت منذ أغسطس 1955 حتى عام 2005، وانتهت بتوقيع اتفاقية نيفاشا للسلام.
وتقوم العقيدة القتالية للقوات المسلحة على الدفاع عن الوطن وحماية سيادته ووحدته الوطنية، إلى جانب الالتزام بالانضباط العسكري وأداء المهام الموكلة إليها في الظروف المختلفة، بما في ذلك الإسهام في عمليات الإغاثة والمساعدة خلال الكوارث الطبيعية، والمشاركة في حفظ الأمن عندما تفرض الأوضاع الأمنية ذلك.
العيد في عام استثنائي:
يأتي عيد الجيش هذا العام في ظرف استثنائي يعيشه السودان منذ اندلاع الحرب، الأمر الذي يمنح المناسبة دلالات مختلفة، إذ تتداخل فيها مشاعر الاحتفاء بتاريخ المؤسسة العسكرية مع تطلعات السودانيين إلى انتهاء الحرب وعودة الأمن والاستقرار والسلام.
وفي عدد من المدن والولايات التي استعادت عافيتها الأمنية، بدأت مظاهر الحياة الطبيعية في العودة تدريجياً، بالتزامن مع عودة المواطنين واستئناف الأنشطة الاقتصادية والخدمية والاجتماعية، لتتحول مناسبة عيد الجيش من مجرد ذكرى عسكرية إلى محطة لاستحضار قيمة الاستقرار وأهميته في حياة المجتمع.
ويرى مواطنون أن عودة الاحتفالات بالمناسبة في بعض المناطق تمثل مؤشراً على استعادة المساحات العامة للحياة، وإشارة إلى تطلع المجتمع للانتقال من أجواء الحرب إلى مرحلة السلام وإعادة الإعمار.
«جيش منتصر.. وشعب مقتدر»:
يجسد شعار العيد الثاني والسبعين «جيش منتصر.. وشعب مقتدر» معاني الصمود والتلاحم الوطني، ويعكس، في دلالاته، العلاقة بين القوات المسلحة والمجتمع، والالتفاف الشعبي حول المؤسسة العسكرية خلال الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
كما يشير الشعار إلى أن قوة المؤسسة العسكرية لا تنفصل عن قوة المجتمع، وأن قدرة الدولة على تجاوز أزماتها ترتبط بتماسك مؤسساتها ووحدة صفها الوطني.
ويحضر مفهوم «جيش واحد وشعب واحد» في الوجدان السوداني باعتباره تعبيراً عن العلاقة التاريخية بين القوات المسلحة والمجتمع، خاصة في الأوقات التي تواجه فيها البلاد تحديات تمس أمنها واستقرارها وسيادتها.
من الميدان إلى الحياة المدنية:
ولا تقاس نتائج استعادة الأمن بالجانب العسكري وحده، إذ تبدأ آثارها بالظهور في حياة المواطنين اليومية، من خلال عودة الأسر إلى مناطقها، وفتح الأسواق، واستئناف الدراسة والخدمات الصحية، وعودة حركة النقل والنشاط التجاري، ثم الانتقال تدريجياً إلى مرحلة إعادة تأهيل البنية التحتية وإعمار ما دمرته الحرب.
وتؤكد التجربة السودانية أن الأمن يمثل المدخل الأساسي لعودة الحياة المدنية، إذ لا يمكن لجهود الإعمار أن تمضي بصورة مستقرة من دون بيئة آمنة تسمح للمواطنين والقطاعين العام والخاص باستعادة نشاطهما.
ومن هنا، يرتبط عيد الجيش هذا العام لدى كثير من السودانيين بأمل أوسع يتجاوز انتهاء المعارك، إلى بناء مرحلة جديدة تستعيد فيها المدن والأسواق والمؤسسات نشاطها، ويعود المواطنون إلى ممارسة حياتهم بصورة طبيعية.
عيد الجيش بعيون المواطنين:
وفي الشارع السوداني، تحمل المناسبة ذكريات مختلفة بين الأجيال؛ فكبار السن يستعيدون صور الاحتفالات السابقة التي كانت تشهدها المدن والميادين، بينما ينظر جيل الشباب إلى العيد من زاوية مختلفة فرضتها سنوات الحرب وتداعياتها.
أما الأطفال، الذين عاش بعضهم سنوات الحرب، فيرتبط مفهوم الجيش لديهم بصور الجنود والزي العسكري والدفاع عن المدن والمناطق، فيما يأملون أن تكون السنوات المقبلة أكثر ارتباطاً بالمدرسة والحياة الطبيعية من مشاهد الحرب.
وتتجلى مظاهر الاحتفال الشعبي في الأحياء والأسواق والميادين من خلال رفع الأعلام وتبادل التهاني وتنظيم الفعاليات، إلى جانب المبادرات المجتمعية التي تعبر عن مساندة القوات المسلحة ورعاية أسر الشهداء والجرحى والمفقودين.
وتكتسب هذه المبادرات أهمية خاصة، باعتبارها تعكس انتقال المناسبة من إطارها الرسمي إلى فضائها المجتمعي، حيث يجد المواطنون فيها فرصة للتعبير عن تقديرهم لمن فقدوا أرواحهم أو أصيبوا خلال الحرب، والمساهمة في تخفيف آثارها على الأسر السودانية.
الجيش والمجتمع.. علاقة تتجاوز الميدان:
ارتبطت القوات المسلحة، عبر تاريخها، بأدوار تتجاوز العمليات العسكرية، لتمتد إلى المساعدة في مواجهة الكوارث والأزمات، وحماية المؤسسات والمنشآت الحيوية، والإسهام في تأمين حياة المواطنين في الظروف الاستثنائية.
وفي المقابل، برزت خلال السنوات الأخيرة مبادرات شعبية واسعة لإسناد القوات المسلحة، إلى جانب مبادرات لرعاية أسر الشهداء والجرحى والمفقودين والمساهمة في إعادة إعمار المناطق المتضررة.
ويؤكد هذا التفاعل أن الحرب تركت آثارها على المجتمع بأكمله، وأن تجاوزها لن يكون مهمة عسكرية فقط، وإنما مسؤولية وطنية ومجتمعية تتطلب تضافر جهود الدولة والمواطنين ومؤسسات المجتمع.
الإعلام وحفظ الذاكرة الوطنية:
ويأتي الإعلام في مقدمة المؤسسات التي تضطلع بمهمة توثيق ذاكرة عيد الجيش، من خلال استعادة المحطات التاريخية للقوات المسلحة، وتسليط الضوء على رموزها وشهدائها، وتوثيق تجارب المواطنين خلال مراحل مختلفة من تاريخ البلاد.
كما تمثل المناسبة فرصة للإعلام السوداني لتقديم محتوى توثيقي يستند إلى المعلومات والشهادات والصور والأرشيف، بما يحفظ للأجيال القادمة جانباً من تاريخ المؤسسة العسكرية وتطورها ودورها في الدولة السودانية.
وفي ظل الحرب، تزداد أهمية المهنية الإعلامية في تناول القضايا العسكرية والوطنية، من خلال التحقق من المعلومات والتمييز بين الخبر والرأي، وتجنب الشائعات، مع الالتزام بالقواعد المهنية التي تحفظ للإعلام دوره في خدمة المجتمع وتوثيق الأحداث.
من الحرب إلى المستقبل:
وبينما يحتفي السودانيون بعيد الجيش الثاني والسبعين، تتجه تطلعاتهم إلى ما بعد الحرب، حيث تبرز الحاجة إلى مرحلة جديدة تقوم على استعادة الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة وإعمار ما دمرته الحرب وتهيئة الظروف لعودة النازحين والمهجرين إلى مناطقهم.
ويظل بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، قادرة على حماية حدود البلاد وسيادتها ووحدتها الوطنية، أحد أبرز تطلعات السودانيين، إلى جانب الانتقال من حالة الحرب إلى السلام، ومن التعبئة العسكرية إلى مرحلة البناء والإعمار.
ومن هذا المنظور، يحمل شعار «جيش منتصر.. وشعب مقتدر» دلالة تتجاوز المناسبة ذاتها، إذ يختزل تطلعاً إلى سودان مستقر، تكون فيه القوات المسلحة مؤسسة وطنية تؤدي مهامها في حماية الدولة، ويكون فيه الشعب شريكاً أساسياً في بناء السلام والتنمية وإعادة الإعمار.
وهكذا يأتي عيد الجيش في عامه الثاني والسبعين بوصفه مناسبة لاستحضار الذاكرة الوطنية، وتكريم التضحيات، وقراءة الحاضر، واستشراف المستقبل؛ فالمعركة التي يخوضها السودان اليوم لا تنتهي بانتهاء صوت السلاح، وإنما تكتمل باستعادة الحياة، وبناء السلام، وإعمار الوطن.
#سونا #السودان



