
بقلم: الدكتور أحمد عبدالله إسماعيل
عندما تسمح الدولة لخطاب الكراهية والجهوية والعنصرية بأن يتحول إلى لغة سياسية متداولة، وعندما يصبح التحريض على فئة من المواطنين مقبولاً في المجال العام، وعندما يُستخدم الانتماء الجغرافي أو العرقي أو القبلي معياراً لتحديد من يستحق الاحترام ومن يستحق الإقصاء، فإن الأزمة لم تعد أزمة خطاب، وإنما أصبحت أزمة دولة. فالدولة التي تفشل في حماية مواطنيها من الكراهية لا تفقد فقط قدرتها على إدارة المجتمع، بل تبدأ في فقدان شرعيتها الأخلاقية والقانونية باعتبارها الحارس المفترض للحقوق والحريات والكرامة الإنسانية.
إن السودان لا يواجه اليوم مجرد خلاف سياسي أو صراع عسكري على السلطة، وإنما يقف أمام أزمة أعمق تتعلق بجوهر الدولة نفسها وبالمعنى الذي ينبغي أن تحمله المواطنة. لقد أدى تراكم عقود من التهميش والتمييز وضعف المؤسسات والإفلات من العقاب إلى خلق بيئة أصبح فيها الاختلاف قابلاً للتحول إلى خصومة، والخصومة قابلة للتحول إلى كراهية، والكراهية قابلة للتحول إلى عنف. وحين تدخل السلطة أو القوى المتنافسة على السلطة في هذه الدائرة، فإن الدولة تتحول من أداة لحماية المجتمع إلى أداة لإعادة إنتاج انقساماته.
إن السماح بخطاب الكراهية ليس حياداً، والصمت أمام العنصرية ليس حكمة، والتغاضي عن الجهوية ليس حفاظاً على الاستقرار. إن الصمت في اللحظة التي تُهان فيها جماعة من المواطنين بسبب هويتها أو منطقتها أو أصلها يمنح الخطاب العنصري مساحة جديدة للنمو، حتى يصبح ما كان مرفوضاً بالأمس مقبولاً اليوم، ثم يتحول غداً إلى سياسة وممارسة ومؤسسة. وعندما تصل الدولة إلى هذه المرحلة، يصبح تفكيك آثار الكراهية أكثر صعوبة من مواجهتها في بدايتها.
الأخطر من ذلك أن يتحول خطاب الإقصاء إلى خطاب يتحدث باسم الوطنية والشرف. فكيف يمكن أن يكون احتقار السكان الأصليين وطنية؟ وكيف يمكن أن يكون إذلال الإنسان شرفاً؟ وكيف يمكن لمتهم بارتكاب جرائم حرب أو انتهاكات جسيمة ضد المدنيين أن يتحول، بقرار سياسي أو دعائي، إلى رمز للشرف والوطنية؟ إن الوطنية ليست امتيازاً تمنحه السلطة لمن تشاء، والشرف ليس درعاً يحمي مرتكب الجريمة من المساءلة. الوطنية الحقيقية هي احترام الإنسان، وحماية الوطن، وصون القانون، والقبول بالمحاسبة، والوقوف ضد الظلم مهما كان مرتكبه ومهما كان موقعه.
إن أخطر رسالة يمكن أن توجهها الدولة إلى مجتمع أنهكته الحرب هي أن القوة يمكن أن تحل محل القانون، وأن الجريمة يمكن أن تتحول إلى بطولة، وأن الانتماء السياسي أو العسكري يمكن أن يمنح صاحبه حصانة من المساءلة. فحين يرى الضحية أن من انتهك حقه يُكافأ، ويرى الجاني أن بإمكانه إعادة تقديم نفسه بطلاً، تنهار الثقة في العدالة، ويصبح الانتقام بديلاً عنها. وحين يصبح الانتقام بديلاً عن العدالة، فإن الدولة تكون قد فتحت الباب أمام دورة جديدة من العنف لا يعرف أحد أين تنتهي.
السودان لذلك لا يحتاج إلى مجرد تغيير في الوجوه، ولا إلى إعادة توزيع السلطة بين النخب، ولا إلى استبدال مركز نفوذ بمركز آخر، ولا إلى إعادة إنتاج الدولة القديمة بأسماء جديدة. السودان يحتاج إلى إصلاح جذري لمفهوم الدولة وإعادة هيكلة مؤسساتها على أساس وطني حديث، يجعل المواطنة مصدر الحقوق، والقانون مرجعاً للجميع، والمؤسسات فوق الأشخاص، والمصلحة الوطنية فوق المصالح الجهوية والقبلية والحزبية.
إن الدولة التي نريدها للسودان يجب ألا تسأل المواطن من أي إقليم جاء قبل أن تحدد حقه، ولا إلى أي قبيلة ينتمي قبل أن تعترف بمواطنته، ولا ما هو موقفه السياسي قبل أن توفر له الحماية القانونية. المواطن مواطن في الخرطوم كما هو في دارفور، وفي كردفان كما هو في الشرق، وفي الجزيرة كما هو في الشمال، وفي كل شبر من السودان. وأي دولة تقيس قيمة الإنسان بانتمائه ليست دولة مواطنة، وإنما نظام امتيازات قابل للانفجار في أي لحظة.
ولهذا فإن إعادة هيكلة الدولة السودانية يجب أن تصبح مشروعاً وطنياً عاجلاً، يقوم على بناء مؤسسات مهنية مستقلة، وإصلاح الخدمة المدنية، وتعزيز استقلال القضاء والنيابة، وإعادة تأسيس الأجهزة النظامية على أساس المهنية والوطنية وسيادة القانون، وتجريم التحريض على العنف والكراهية والتمييز وفق معايير قانونية واضحة، مع حماية حرية التعبير والنقد السياسي المشروع، حتى لا تتحول مكافحة خطاب الكراهية نفسها إلى وسيلة لقمع المعارضة.
كما أن السودان بحاجة إلى مواجهة تاريخ الانتهاكات بشجاعة لا بخوف. فلا يمكن بناء المصالحة الوطنية على إنكار الجرائم، ولا يمكن أن تكون المصالحة غطاءً للإفلات من العقاب. العدالة ليست انتقاماً، والمساءلة ليست عداوة، والحقيقة ليست تهديداً للوطن. على العكس، فإن الدولة التي تواجه جرائم الماضي بصدق تملك فرصة حقيقية لبناء مستقبل مختلف، بينما الدولة التي تدفن الجرائم دون عدالة تتركها حية في ذاكرة الضحايا، تنتظر لحظة جديدة للانفجار.
إن العدالة الانتقالية في السودان يجب أن تكون عملية وطنية حقيقية تستند إلى الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، وأن تضع الضحايا في قلب العملية لا على هامشها. فلا يجوز أن يُطلب من الذين فقدوا أبناءهم أو بيوتهم أو أمنهم أو كرامتهم أن ينسوا كل ذلك باسم التسوية السياسية، بينما يحصل المسؤولون عن الجرائم على امتيازات جديدة. السلام الذي يطلب من الضحية أن يتنازل عن حقه، بينما لا يطلب من الجاني أن يتحمل مسؤولية فعله، ليس سلاماً؛ إنه تأجيل للصراع.
إن معركة السودان الحقيقية ليست معركة قبيلة ضد قبيلة، ولا إقليم ضد إقليم، ولا مكون اجتماعي ضد مكون آخر. إنها معركة بين مشروعين: مشروع يريد دولة تقوم على المواطنة والقانون والعدالة والمساواة، ومشروع يريد إبقاء الدولة رهينة للسلاح والجهوية والخوف والامتيازات والإفلات من العقاب.
ومن هنا فإن الثورة التي يحتاجها السودان اليوم ليست ثورة انتقام، وليست دعوة إلى العنف، وإنما ثورة وطنية على المفاهيم التي أنتجت الأزمة. ثورة في الوعي، وثورة في المؤسسات، وثورة في مفهوم السلطة، وثورة في العلاقة بين الدولة والمواطن. ثورة تجعل القانون أقوى من السلاح، والمواطنة أقوى من القبيلة، والحقيقة أقوى من الدعاية، والعدالة أقوى من الانتقام، والإنسان أقوى من خطاب الكراهية.
وعلى المجتمع الدولي أن يدرك أن السودان لا يحتاج فقط إلى إيقاف الحرب، بل إلى معالجة الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة وقابلة للتكرار. إن التعامل مع السودان باعتباره أزمة إنسانية فقط، أو ملفاً أمنياً فقط، أو ساحة لتنافس المصالح الإقليمية والدولية، لن يؤدي إلى حل مستدام. المطلوب دعم بناء الدولة ومؤسسات العدالة وحماية المدنيين والمجتمع المدني وحرية الإعلام ومكافحة خطاب الكراهية، مع احترام إرادة السودانيين وحقهم في بناء دولتهم بعيداً عن الوصاية.
إن أي مشروع دولي لإعادة إعمار السودان يجب أن يتعامل مع إعادة بناء الإنسان والمؤسسات بنفس الأهمية التي يتعامل بها مع إعادة بناء الطرق والمستشفيات والمدارس. فالخراب الحقيقي ليس فقط في المباني التي دمرتها الحرب، وإنما في الثقة التي دمرها الظلم، وفي المؤسسات التي أضعفها الفساد، وفي النسيج الاجتماعي الذي مزقته الكراهية، وفي العدالة التي أضعفها الإفلات من العقاب.
السودان اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة. إما أن يمتلك السودانيون الشجاعة لإعادة تأسيس دولتهم على قاعدة جديدة، أو أن يستمروا في إعادة تدوير أسباب الأزمة نفسها، وعندها لن تكون الحرب الحالية آخر حروب البلاد، وإنما قد تكون مجرد بداية لدورات جديدة من الصراع أكثر تعقيداً وأشد خطراً.
لقد آن الأوان لأن نقول بوضوح إن الوطن لا يُبنى بإهانة أبنائه، وإن الوطنية لا تعني إقصاء الآخرين، وإن الشرف لا يمكن أن يكون غطاءً للجريمة، وإن السلطة لا تمنح أحداً حق انتهاك كرامة الإنسان، وإن السلاح لا يصنع الشرعية، وإن الدولة التي لا يحكمها القانون تصبح عاجزة عن حماية نفسها قبل أن تعجز عن حماية مواطنيها.
السودان لا يحتاج إلى منتصر جديد على أنقاض مواطنين آخرين، ولا يحتاج إلى نخبة جديدة تعيد إنتاج الامتيازات القديمة، ولا إلى سلام هش يخفي جذور الأزمة تحت رماد التسويات السياسية. السودان يحتاج إلى دولة جديدة في معناها ومؤسساتها وأخلاقها؛ دولة يكون الإنسان فيها هو القيمة الأولى، والمواطنة أساس الحقوق، والقانون مرجع الجميع، والعدالة طريق السلام، والتنوع مصدر قوة، والاختلاف حقاً لا جريمة.
إن مستقبل السودان لن يصنعه الذين يتقنون صناعة الكراهية، وإنما سيصنعه الذين يمتلكون شجاعة بناء وطن يتسع للجميع.
https://www.facebook.com/share/1DVgg37dKt/?mibextid=wwXIfr



