أخر الأخبار

أمل ابو القاسم تكتب :أزمة الحكم في السودان.. لماذا ندور في الحلقة نفسها؟

أزمة الحكم في السودان، ولا سيما الجانب التنفيذي، ليست وليدة اليوم، بل هي أزمة قديمة تتجدد مع كل حكومة، وعلى امتداد الحقب السياسية منذ الاستقلال. وبينما تمضي دول من حولنا إلى الأمام مستفيدة من التطور التكنولوجي وتسارع حركة الاقتصاد والإدارة، يبدو السودان وكأنه يسير في الاتجاه المعاكس؛ يتراجع رغم ما يمتلكه من موارد وإمكانات هائلة جعلته، في الوقت نفسه، مطمعاً للكثيرين.

السودان دولة غنية بمواردها وثرواتها التي تفتقر إليها دول عديدة قطعت أشواطاً واسعة في التنمية. غير أن المشكلة لم تكن يوماً في ندرة الموارد بقدر ما كانت في ضعف إدارة هذه الموارد وحسن توظيفها. ولذلك نظل ندور في الحلقة نفسها، بينما يتحرك العالم من حولنا بسرعة مذهلة.

وتتعدد مظاهر أزمة إدارة الدولة ومواردها من حقبة إلى أخرى، لكن المتأمل في تاريخ السودان سيجد أن كثيراً من الأزمات التي نعيشها اليوم هي نفسها، وإن اختلفت الظروف والأدوات. تتغير الحكومات وتتبدل الوجوه، لكن جوهر المشكلة يظل حاضراً: ضعف المؤسسات، واضطراب صناعة القرار، وعدم الاستقرار الإداري، وتقديم الولاءات والمصالح على الكفاءة والمصلحة العامة.

وإذا تجاوزنا الحقب السابقة وتوقفنا عند عهد الإنقاذ، نجد أن الوضع الاقتصادي كان أحد أبرز الأسباب التي أسهمت في سقوط النظام، رغم أن المقارنة بين اقتصاد تلك المرحلة وما آل إليه الوضع بعد الحرب تكشف بونا شاسعاً. وقد لجأت الحكومة آنذاك، في محاولات متكررة لمعالجة الاختلالات، إلى الإحلال والإبدال في المواقع التنفيذية وبفترات متقاربة، حتى بدا الأمر في أيامها الأخيرة وكأنها فقدت السيطرة على مقود الإدارة وإيجاد فريق متجانس قادر على إعادة الوضع إلى نصابه.

وسأتجاوز هنا فترة حكومة حمدوك، التي أرى أنها عمّقت جانباً من الاختلالات القائمة، وقد تفرغت لتصفية حسابها مع الإنقاذ قبل أن تأتي الحرب اللعينة في 15 أبريل 2023 لتقضي على ما تبقى من البنية الاقتصادية والخدمية، وتضيف إلى أزمات الدولة أبعاداً غير مسبوقة.

وما خلفته الحرب من دمار على مختلف الصعد، ولا سيما في العاصمة عقب تحريرها، إلى جانب ما أصاب عدداً من المدن الأخرى، أمر يفوق التصور، ويضع الحكومة أمام تحدٍ تاريخي لا يحتمل التجريب أو البطء.

وكان تشكيل الحكومة الحالية قد استغرق وقتاً طويلاً، بما يوحي بأن عملية الاختيار خضعت لقدر كبير من التمحيص والتدقيق. غير أن الأداء، حتى الآن، لا يبدو في مستوى حجم التحدي، باستثناء قلة محدودة من الوزراء والمسؤولين الذين أظهروا قدراً من الحضور والقدرة على التعامل مع ملفاتهم.
والأكثر إثارة للقلق أن هؤلاء القلة لا يوجد بينهم، في تقديري، من يتولون بعض الوزارات الأكثر التصاقاً بمعاش الناس وحياتهم اليومية، وهي الوزارات التي يفترض أن تكون في مقدمة أولويات الحكومة في هذه المرحلة.

وإذا كانت الإنقاذ قد عُرفت بالمحاصصة والمحسوبية، فإن حكومة الأمل تبدو، في بعض جوانبها، أكثر عرضة للفوضى بسبب تأثير اللوبيات، وتقاطعات المصالح، وتضارب مراكز القرار، وعدم وضوح المسؤوليات.

والمؤسف حقاً أن تعجز بعض الجهات المعنية عن حسم ملفات تقع في صميم اختصاصها، بما يدفع رئيس مجلس السيادة إلى التدخل في أكثر من مناسبة لمعالجة قضايا كان يفترض أن تُحسم داخل مؤسساتها المختصة.

وهنا تقف حكومة الأمل أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تلتزم بمسؤولياتها كاملة، وتضطلع بمهامها بجدارة واقتدار وتجرد، وتعيد ضبط الأداء التنفيذي وتضع مصالح الدولة والمواطن فوق كل اعتبار؛ وإما أن تفسح المجال للرئيس عبد الفتاح البرهان ليتدخل بصورة كاملة في إدارة الملفات التنفيذية.

المطلوب اليوم إعادة ضبط الأداء الحكومي وفق معايير واضحة للكفاءة والمساءلة والإنجاز، مع تحديد مسؤوليات كل وزارة وجهة بصورة لا تسمح بتداخل الاختصاصات أو التنصل من المسؤولية.
كما أن المرحلة تتطلب تقليص نفوذ اللوبيات ومراكز التأثير غير الرسمية، وإخضاع القرارات التنفيذية لمصلحة الدولة وحدها، مع وضع مؤشرات أداء واضحة لكل وزير ومسؤول ومراجعتها بصورة دورية.

فالسودان بعد الحرب لا يحتمل حكومة تعمل بالأسلوب التقليدي، ولا دولة تُدار بردود الأفعال. المرحلة تحتاج إلى حكومة تعرف ماذا تريد، وكيف تصل إليه، ومن تحاسبه إذا أخفق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 + 10 =

زر الذهاب إلى الأعلى