أخر الأخبار

كابتن طيار عادل المفتي يكتب : من زنزانة الثورة إلى خندق الوطن

هناك كان من يكتب عن الثورة من خلف المكاتب وشاشات الكيبورد، وهناك من يتحدث عنها بعد أن هدأت العاصفة، وهناك من عاد من بلاد المهجر، ومن خلف المحيطات، بعد أن انتصرت الثورة ليحكي بطولات لم يعشها. أما أنا، فأكتب عنها لأنني كنت في قلبها، ودفعت ثمنها من حريتي، ومن صحتي، ومن عملي، ومن مالي، ومن مستقبل شركة بنيتها بعرق السنين. .. ومع ذلك، يبقى الشهداء أكرم منا جميعًا، فهم الذين دفعوا الثمن الأكبر بأرواحهم، رحمهم الله جميعًا.
لم أكن يومًا باحثًا عن منصب أو مكسب، بل كنت أمارس العمل العام حبًا في الوطن وإيمانًا بأن السودان يستحق الأفضل. كنت عضو مكتب سياسي ، ومساعد رئيس ، وأمين سياسي ، لاحد اكبر الاحزاب السياسية في السودان ونقابيًا وأمينًا عامًا للغرفة القومية للنقل الجوي، مؤمنًا بأن هذا الشعب يستحق العمل من اجله ويستحق الحرية والكرامة والعدالة.
ومن هذا المنطلق، كنت أمارس السياسة النظيفة حسب معتقداتي وما تربيت عليه ، يعني المال كوم والوطن كوم تاني ، وعندما دعا الواجب ، تنازلت عن المال و انحزت للوطن ، كنت من أوائل من أعلنوا تأييد العصيان المدني داخل مطار الخرطوم الدولي، عبر خطاب رسمي ممهور باسمي وباسم الغرفة القومية للنقل الجوي، وكان – بحسب ما أعلمه – أول خطاب تأييد للعصيان المدني في السودان ينشره تجمع المهنيين السودانيين علي صفحتهم الرسمية لم يكن ذلك مجرد بيان، بل كان موقفًا حمل مخاطره وأصبح إحدى المحطات المهمة التي أسهمت في إنجاح العصيان المدني، ذلك السلاح السلمي الذي هز أركان السلطة وأثبت أن إرادة الشعوب لا تُهزم.
ومنذ ذلك اليوم، أطلق عليّ الثوار لقب “ترس الجو”، وهو لقب أعتز به أكثر من أي منصب تقلدته في حياتي.
ثم جاء الثمن…
بعد فض الاعتصام، اعتُقلت مباشرة، ونُقلت معصوب العينين إلى معتقل موقف شندي، المعروف بين المعتقلين باسم “التلاجة”. في زنزانة منفردة ، وعندما تليت علي مسمعي مواد سبب الاعتقال ، سألته قبل التوقيع أنا اعرف المادة الاولي والثانية التي تليت علي ، حكمهم الإعدام ، اما المادة الثالثة لا اعرف ما حكمها ؟ ؛ رد علي وقال : الثالثة برضو اعدام .. كنت مريضًا بالسكري، ولم يُسمح لي بالحصول على دوائي، وبعد خمسة أيام تعرضت لأزمة صحية حادة استدعت نقلي إلى مستشفى الأمل غرفة ٥ تحت حراسة مشددة داخل وخارج الغرفة ، وفي الوقت الذي كنت أصارع فيه المرض داخل المعتقل، كانت شركتي تُذبح في الخارج.
أُوقفت عن العمل، وسُحبت منها رخصة المناولة الأرضية، وتم طرد جميع العاملين بها، رغم أنها كانت واحدة من أنجح شركات المناولة الأرضية في السودان، وتحظى بثقة شركات الطيران المحلية والعالمية.
لم تكن قضيتي سرًا. فقد تناقلت كل القنوات الفضائية خبر اعتقالي، وكتب عن قضيتي الصحفي Declan Walsh في The New York Times، كما طالب كثير من الأصدقاء والثوار والنقابيين بإطلاق سراحي. لم أكن أبحث عن بطولة، ولكنني كنت واحدًا من آلاف السودانيين الذين دفعوا ثمن كلمة حق وموقف آمنوا به.
وعندما خرجت من المعتقل، سعدت بتوقيع الاتفاق السياسي بين قوى الحرية والتغيير والمكون العسكري، إذ كان ذلك من الأسباب التي مهدت لإطلاق سراحي. وسعدت لان العصيان المدني وتضحيتي أتت أكلها ، لكنني خرجت لأجد أنني لم أخسر حريتي فقط، بل خسرت أيضًا الشركة التي أفنيت سنوات عمري في بنائها بعد غربة استمرّت عشرين عاما كابتن طيار وإداري بالمملكة العربية السعودية .
حضر ممثل الشريك الكويتي شركة ناس العالمية لخدمات الطيران إلى الخرطوم الشركة التي أسستها وبنيتها ونجحت نجاحا منقطع النظير ، ثم بعت لهم نصيب مقدر من أسهم الشركة ، جاء الي الخرطوم وهو يسأل سؤالًا مشروعًا: ما ذنب الشركة؟ وما ذنب الموظفين؟ وما ذنب الاستثمار؟
وبعد اجتماعات طويلة، كان الشرط واضحًا: لن تعود الشركة إلى العمل إلا إذا تنازلت عن حصتي فيها، وغادرت منصبي مديرًا عامًا.
وللتاريخ، فإن الوثيقة التي تضمنت هذا الشرط ما زالت بحوزتي، وتحمل توقيع المدير العام للشركة القابضة لمطارات السودان آنذاك، الفريق السر، وختم الشركة ، كما تحمل توقيع ممثل الشريك الكويتي. وأحتفظ بهذه الوثيقة لأنها ليست مجرد ورقة، بل شاهد على مرحلة من تاريخ السودان، فالتاريخ لا يُكتب بالروايات وحدها، وإنما بالوثائق أيضًا.
كنت أمام خيارين: أن أتمسك بحقي فتُدفن الشركة ويضيع مستقبل عشرات الشباب والأسر، أو أن أضحي بحقي الشخصي حتى تستمر المؤسسة ويعود الموظفون إلى أعمالهم.
فاخترت التضحية.
تنازلت عن حصتي، وبالأصح أجبرت علي ذلك ، وغادرت الإدارة، وبالأصح تم فصلي ، وعادت الشركة إلى العمل، لكن بعد خسائر مالية هائلة، وضياع معظم العملاء، ولم تستعيد الشركة جزءًا من مكانتها إلا بعد نحو عام ونصف تقريبا .
ولن أنكر فضل من وقفوا مع الحق، وفي مقدمتهم الكابتن مصطفى الدويحي، رئيس سلطة الطيران المدني، السابق والمهندس محمد حسن المجمر، مدير العمليات للطيران المدني السابق، وصديقي الدكتور إبراهيم الأمين حفظه الله ، وغيرهم الكثير الذين بذلو جهودًا كبيرة لإطلاق سراحي ولإعادة الشركة إلى العمل، كما كان للشريك الكويتي موقف مشرف في الدفاع عن حق الشركة والاستثمار حتى رُفع الحظر عنها ، بعد توقيع التنازل والشروط ،
ورغم كل ما حدث…
ما زلت أحب الثورة وأفتخر بها ،
وأترحم على أرواح الشهداء في كل لحظة، فهم قدموا أغلى ما يملك الإنسان، ولا يستطيع أحد أن يزايد على تضحياتهم أو يحتكر الحديث باسمهم. وستظل الثورة صفحة مضيئة في تاريخ السودان، مهما اختلف الناس حول ما تلاها.
لكن حب الثورة لا يعني الصمت عن الأخطاء.
ولا يعني أن نغلق أعيننا عن التجارب المريرة.
ولا يعني أن نخلط بين الثورة، بوصفها حلم شعب، وبين أداء من تولوا إدارة المرحلة الانتقالية.
ولذلك سأواصل كتابة شهادتي كاملة، وسأتحدث عن تجربتي مع قوى الحرية والتغيير، ومع لجنة إزالة التمكين ، وسأعرض الوقائع كما عشتها، مدعومة بما أملك من وثائق ومستندات، لأن الشعب السوداني يستحق أن يعرف الحقيقة كاملة.
أما اليوم…
فاليوم ليس وقت تصفية الحسابات السياسية.
اليوم وطننا يواجه حربًا ودمارًا، وتتعرض أجزاء واسعة من أرضه للخطر.

لقد كنت معارضًا حين كانت المعارضة واجبًا.
وأقف مع وطني اليوم لأن الدفاع عن الوطن أصبح واجبًا أكبر.

واليوم موقفي واضح لا لبس فيه.

أقف مع القوات المسلحة السودانية في حربها ضد مليشيا آل دقلو دفاعًا عن السودان، وعن شعبه، وعن مؤسساته، وعن حق أبنائه في أن يعيشوا في دولة لا تحكمها المليشيات ومافي مليشيا بتحكم دولة .

وظللت ومازلت أقول في مرحلة هذه الحرب الكارثية ؛
أنا لا أحب الحرب وأعشق السلام ولكن .. لقد ولدنا أحرارًا، وسنموت أحرارًا، ولن نقبل أن يعبث أحد بأهلنا، أو بأرضنا، أو بأموالنا، أو بأعراضنا، تحت أي شعار، أو باسم أي مشروع سياسي، أو بفرية دولة ٥٦ أو حتى باسم الديمقراطية نفسها.

قال تعالي :
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾

وأكثر ما يؤلمني أنني رأيت، منذ أيام الثورة الأولى، بوادر خطاب جهوي وقبلي حذرنا منه مرارًا. واجتماعات جهوية توزع فيها الوزارات والمناصب في المزارع الخاصة ، كنا نقول لإخواننا في الحزب السياسي ، وفي قوى الحرية والتغيير، إن الوطن أكبر من القبيلة، وإن السياسة إذا تحولت إلى ولاءات جهوية فستقود السودان إلى الهاوية.
وللأسف… وقع ما كنا نخشاه.
رأينا أصدقاء الأمس يتفرقون على أسس قبلية وجهوية، ورأينا الانتماء للقبيلة يتقدم على الانتماء للوطن، وكانت النتيجة هذا الخراب الذي يدفع ثمنه كل السودانيين.
سيختلف الناس معي، وهذا حقهم.
لكن أحدًا لن يستطيع أن ينكر بأن هنالك من دفعو ثمن مواقفهم يوم كان كثيرون يختبئون خلف الصمت، ثم ظهروا لاحقًا عندما حان وقت اقتسام السلطة وتوزيع الغنائم.
هذه ليست محاولة لتبرئة نفسي، ولا لإدانة أحد، وإنما شهادة رجل عاش الأحداث من داخلها، ودفع ثمن مواقفه كاملة، وما زال يؤمن أن السودان أكبر من الجميع.
سأدعو دائما للعدل وهو الهدف الاسمي ، ولو كنا ثلاثة سينصرنا الله والهدف اسمي ودعوة وأوامر من الله .
قال تعالي : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ صدق الله العظيم .

وفي هذه اللحظة التي يكتب فيها السودان صفحةً جديدة من تاريخه، أقف أمام الله ثم أمام أبناء وطني، وأشهد أنني قد عفوت وصفحت عن كل من ظلمني، قبل الثورة وفي أيام الثورة وما بعدها. لا ضعفًا، ولا نسيانًا، ولا تنازلًا عن الحق، وإنما إيمانًا بأن الأوطان لا تُبنى بالأحقاد، وأن مستقبل السودان أكبر من جراح الأفراد.

لقد اخترت أن أدفن غُصَّتي في صدري، حتى لا تُدفن معها أحلام وطنٍ يستحق الحياة. فمن جعل الانتقام غايته، قد يخسر وطنه وهو يظن أنه انتصر لنفسه. وكما يقول أهلنا: “
من فشَّ غبينته خرَّب مدينته.” وما أقوله اليوم ليس مفارقة، بل هو أسمى معاني الوطنية.

أسامح… لأن السودان أولى من خصوماتنا.
أسامح… لأن الأجيال القادمة تستحق وطنًا يجمع ولا يفرّق.
أسامح… لأن العفو عند المقدرة شجاعة، ولأن السلام يبدأ من القلوب قبل أن يُكتب في الاتفاقات.

قال تعالى:
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾

وليبقَ التاريخ شاهدًا أن هناك من اختار الوطن على الذات، والمستقبل على الماضي، والتسامح على الانتقام.

وبالواضح وبكل رجاءٍ صادق،

أوجه رسالة لكم جميعا ؛ اتركوا ما تحملونه في الصدور من ضغائن وحساباتٍ ضيقة، وأصلحوا النفوس قبل المواقف، وتعالوا إلى كلمةٍ سواء، وحوارٍ سودانيٍّ سودانيٍّ يُقام داخل السودان، ننقذ به وطننا، ونضع به أسس مستقبلٍ يليق بأبنائه. فالأجيال القادمة تستحق وطنًا مزدهرًا، يسوده العدل والسلام، وتنعم فيه بالتقدم والازدهار.

قال تعالي
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾

صدق الله العظيم

كابتن طيار عادل المفتي
٢٥ يوليو ٢٠٢٦ م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى