
كتب / عبدالقادر باكاش
في وقت تتجه فيه البلاد رغم قسوة الظروف وتداعيات الحرب، نحو التعافي ينشغل بعض الإخوة في هيئة الموانئ البحرية بصراعات جانبية ومعارك انصرافية حول من أحق ممن في شغل المواقع النقابية داخل الموانئ؟ وهي معركة في تقديري لا تخدم العاملين ولا المؤسسة ولا تنسجم مع طبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد.
فالخلافات النقابية، مهما كانت دوافعها ينبغي ألا تتحول إلى صراع يستنزف طاقات العاملين أو يشتت جهود الإدارة ويعطل مسيرة التطوير ، فالنقابة في جوهرها ليست غاية في حد ذاتها وإنما وسيلة للدفاع عن حقوق العاملين وتحسين بيئة العمل والمساهمة في استقرار المؤسسة، لا ساحة للتنافس الشخصي أو تصفية الحسابات أو تعطيل الأداء.
خاصة وأن هيئة الموانئ البحرية ليست مؤسسة عادية يمكن أن تحتمل الانقسامات والصراعات الداخلية، فهي واحدة من أهم مؤسسات الدولة، وتمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد الوطني، وكلما استقرت الموانئ وتطورت خدماتها وتحسنت كفاءتها، انعكس ذلك بصورة مباشرة على حركة التجارة الخارجية، وعلى الإيرادات العامة، وعلى قدرة الاقتصاد السوداني على التعافي والنهوض.
ولعل ما يدعو إلى التفاؤل أنها بدأت بعد سنوات من التحديات والتيه الإداري في استعادة جزء من دورها وموقعها الريادي في عهد المدير الحالي من خلال العمل على تحسين بيئة العمل وتحقيق قدر أكبر من الرضا الوظيفي للعاملين، إلى جانب تحريك المنظومة الإدارية واستحداث إدارات متخصصة في مجالات حيوية، من بينها التعاون الدولي، والمسؤولية المجتمعية، والاستثمار، والتسويق والترويج، والمرافق المينائية.
وقد أسهمت هذه الخطوات، خلال فترة زمنية قصيرة، في إحداث حراك واضح داخل المؤسسة، وفتحت آفاقًا جديدة للتعاون والشراكات، بما يعزز قدرة الهيئة على مواكبة التطورات المتسارعة في صناعة النقل البحري وإدارة الموانئ.
كما نجحت الإدارة الحالية بقيادة المدير العام، المهندس مستشار جيلاني محمد جيلاني، في إبرام عدد من الشراكات والبروتوكولات مع شركات ومؤسسات دولية، في مجالات تطوير البنية التحتية والفوقية للموانئ، إلى جانب التعاون مع عدد من الموانئ النظيرة، والعمل على تنشيط شركاء الدورة المينائية، بما يسهم في تحسين الخدمات ورفع كفاءة التشغيل وتعزيز تنافسية الموانئ السودانية.
وهي خطوات تستحق الدعم والمساندة والتقييم الموضوعي، بعيدًا عن الحسابات الشخصية أو المواقف المسبقة، خصوصًا أن المهندس جيلاني محمد جيلاني يُعد من أبناء وخبراء هيئة الموانئ البحرية، وقد تدرج في عدد من إداراتها منذ العام 1994، قبل أن يتولى منصب المدير العام عقب معاينات وتنافس أجرته لجنة مختصة من مجلس الوزراء مما يجعل تجربته الحالية جديرة بالمتابعة والتقييم من خلال النتائج والأداء، لا من خلال الصراعات أو المواقف الشخصية.
ومنذ توليه مسؤولية إدارة الهيئة، ظل المدير العام حاضرًا في ملفات العمل والتطوير، وهو ما انعكس، بحسب المؤشرات المعلنة، على عدد من قطاعات الهيئة، خاصة في جانب التشغيل والمناولة.
فقد استقبلت الموانئ السودانية 1409 سفن خلال العام 2025، في مؤشر يعكس ارتفاعًا ملحوظًا في حركة النشاط المينائي، كما تجاوز حجم حركة التجارة الخارجية، في الصادر والوارد، 9 ملايين طن من البضائع المتداولة. وهي مؤشرات، إذا ما قورنت بظروف الحرب والتحديات التي واجهت الاقتصاد السوداني، تعكس قدرة الموانئ على الصمود والاستمرار في أداء دورها الحيوي، كما تشير إلى وجود مؤشرات تعافٍ في حركة التجارة والنشاط التشغيلي.
لكن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالأرقام وحدها، وإنما بمدى قدرة المؤسسة على تحويل هذه المؤشرات إلى مسار مستدام للتطوير، وعلى بناء منظومة مينائية أكثر كفاءة وجاذبية للاستثمار، وأكثر قدرة على المنافسة إقليميًا، وأكثر استجابة لاحتياجات الاقتصاد الوطني.
ومن هنا، فإن مسؤولية النهوض بهيئة الموانئ البحرية لا تقع على عاتق الإدارة وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة بين الإدارة والعاملين والنقابات والخبراء وكل مكونات المجتمع المينائي.
ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب من الجميع الابتعاد عن الصراعات الجانبية، وتقديم مصلحة الهيئة على المصالح الشخصية، وتحويل الاختلافات إلى وسيلة للتطوير لا سببًا للانقسام.
وإذا كانت هناك ملاحظات على الأداء، أو اعتراضات على قرارات إدارية، أو مطالب مشروعة للعاملين، فإن أبواب الحوار المؤسسي والنقابي والقانوني يجب أن تكون هي الطريق لمعالجتها، بعيدًا عن التصعيد الذي يضر بالمؤسسة ويعطل مصالح العاملين. والمعركة الحقيقية التي ينبغي أن يخوضها العاملون في هيئة الموانئ البحرية ليست معركة المواقع النقابية، ولا صراع الأشخاص، ولا التنافس على النفوذ، وإنما هي معركة تطوير الموانئ، وتحسين بيئة العمل، وحماية حقوق العاملين، ورفع الإنتاجية، ومكافحة الترهل والفساد، وجذب الاستثمارات، وتحديث البنية التحتية، واستعادة مكانة الموانئ السودانية.
هذه هي المعركة التي تستحق أن تتوحد حولها الجهود.
وهذه هي الأولوية التي يجب أن تتقدم على كل الخلافات.
فليس من المنطقي أن ننشغل بالصراعات الصغيرة بينما الوطن يخوض معركة كبرى من أجل البقاء وإعادة البناء. وليس من الحكمة أن تستنزف المؤسسة طاقتها في خلافات داخلية في وقت تحتاج فيه إلى كل جهد وكل فكرة وكل يد عاملة من أجل استعادة دورها التاريخي.
إن العاملين في هيئة الموانئ البحرية، بما يملكونه من خبرات تراكمية وكفاءات مهنية، مطالبون اليوم بأن يكونوا جزءًا من مشروع النهوض الوطني، وأن يحافظوا على مكتسباتهم، وأن يواصلوا مسيرة تطوير الأداء، وأن يجعلوا من الميناء نموذجًا للمؤسسة الوطنية القادرة على الصمود والتعافي والنهضة.
وإذا كانت القوات المسلحة تخوض معاركها دفاعًا عن الوطن في الجبهات وخطوط النار، فإن مؤسسات الدولة المدنية والاقتصادية مطالبة بأن تخوض معركتها في مواقع الإنتاج والعمل والبناء، كلٌّ من موقعه واختصاصه.
إنها معركة واحدة، وإن اختلفت ميادينها هي معركة استعادة الدولة وبناء السودان



