
ظلت القوى السياسية تجند عناصر داخل الجيش وعندما تفشل في ممارسة لعبة ديمقراطية نظيفة، تتحرك إحدى مكوناتها وتحرك عناصرها داخل الجيش وتقوض النظام الديمقراطي الهش وبعد فترة وجيزة تصبح القوى المتآمرة على الديمقراطية ضحية عناصرها التي استولت على السلطة بدعمها فتضطر للإنضمام إلى المعارضة وتعاني ويلات الديكتاتورية حتى يثور الشعب وينتفض ويسقط النظام العسكري لتأتي ذات القوى وتتسلم السلطة الإنتقالية ضمن القوى الأخرى وتفشل في الإستيفاء بأجندة الإنتقال ويكون كل همها إجراء انتخابات في فترة قصيرة لتعود الديمقراطية الهشة بكل عيوبها إلى الواجهة ثم تنقض قوى سياسية أخرى بواسطة عناصرها داخل الجيش وتقوض الديمقراطية وهكذا لا تتعلم القوى السياسية من تجاربها ولا يتعلم الشعب من خزلان القوى السياسية له ليستمر المسلسل المدمر للسودان دون نهاية منطقية بل ظلت النهاية صادمة كل مرة.
عندما انحازت اللجنة الأمنية للشعب يوم ١١ أبريل واعتقلت الرئيس البشير واعلنت نهاية عهد الإنقاذ كان رأينا كعناصر لها دور أساسي في الثورة أن تستمر اللجنة العسكرية كمجلس سيادي وتشكل حكومة مدنية من تكنوقراط على أن يكون رئيس الوزراء متخصص في الإدارة وليس الإقتصاد لأن أزمة السودان هي أزمة إدارة، وأن يتم إستقطاب بعض العناصر من حكومة الإنقاذ بشرط أن تكون غير متورطة في أي جريمة وأن تكون قوية وقادرة على تقديم كل المعلومات اللازمة لتفكيك الإنقاذ وأن تضع الحكومة الإنتقالية قانون صارم ومفصل للاحزاب وتشترط عليها تطبيق القانون في هياكلها وتنظيماتها وتستوفي كل شروط المشاركة في الإنتخابات الواردة في القانون.
القوى السياسية أصرت على مشاركة مدنيين في المجلس السيادي وحولت التعاون والتنسيق والعمل المشترك بين الثوار والجيش إلى عمل يقوم على نتيجة حوار بين فرقاء لذلك ظل الجيش والمدنيون في الحكومة الإنتقالية في تنافس وتنافر ومؤامرات وخطط متصارعة وأصبح الشارع ثائر وغير راضي عن الطرفين وأصبح المدنيون في الحكومة يصفون العسكريين باللجنة الأمنية لنظام البشير وبصفات مستفزة أخرى ودخلوا في تحدي مفتوح إلى أن صدرت قرارات ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م وحدثت المفاصلة
قد استقطبت قوى سياسية معروفة قائد الدعم السريع حميدتي بعد تقديم تنازلات كبيرة وإقنعته بمغريات سلطوية كثيرة حتى شعر بإقتراب عهده ليكون رئيسٱ للجمهورية وبعد ذلك وضعته في مواجهة مباشرة مع قائد الجيش البرهان ولجهل هذه القوى بالعقلية العسكرية أرادت من قائد قوة مسلحة أن يضغط على قائد الجيش بوزن عسكري وعقلية مدنية ليوقع البرهان على الاتفاق الإطاري وهذا تقدير خاطئ فالعسكرية لا تعرف الوسطية ولا تلعب في منطقة رمادية ولا تعتمد الدبلوماسية والمرونة السياسية في معاملاتها فهي تميز ألوانها بدقة عالية وتختار، كما هي تقبل التحدي دائمٱ ولا تتردد لذلك قد تجاوزها حميدتي ودخل في إستعدادات الحرب مباشرة لتجد قوى مدنية أخرى كانت تعمل بقدرات اثقلتها خبرات طويلة، لتظل العلاقة بين الجيش والمدنيين في قمة التوتر، فرصتها لتطلق الرصاصة التي أذنت ببداية حرب أنهت حياة عشرات الآلاف من المدنيين والعسكريين وما كان من القوى السياسية التي تسببت في الحرب إلا الهرب إلى خارج حدود البلاد
لو كانت القوى السياسية ناضجة ومهيكلة ومنظمة ومثقفة ديمقراطيٱ وتمارس أنشطتها الإدارية والتنظيمية وفق معايير الديمقراطية التي تقوم على معدل دوران ثابت للنخب ومعايير أخرى تحفظ حق التنافس بين الأجنحة والتيارات وتدعم حق الرأي والرأي الآخر مع احترام الدستور والمؤسسية واللوائح لكانت قوى سياسية قوية ومؤهلة لممارسة الديمقراطية داخل الحزب وكاحزاب مؤتلفة في أي حكومة ديمقراطية وكذلك لكانت مستوعبة ومدركة لثقافة الجيش وكيفية التعامل معه للخروج بالسودان إلى بر الأمان، لكن ظلت القوى السياسية تمارس أنشطتها كشركات خاصة يسيطر عليها المالك ويحارب كل محاولات الاختلاف في الرأي إلى أن غاب الرأي الآخر في القوى السياسية، وأصبح زعماء الأحزاب يقدمون التصورات في منابر هياكلهم الصورية، ويناقشونها ويقدمون المقترحات ويجيزونها كما يحب الزعيم إلى أن ضعفت الأحزاب وأصبحت غير قادرة على التعاطي الديمقراطي كاحزاب أو كحكومة وظلت تتسبب في افشال محاولات إقامة الديمقراطية كل مرة.
ولولا تضحيات الجيش وذكاء وقدرات وتأهيل قادة الجيش على مستوى القيادة والادارة والسيطرة وتنفيذ الإستراتيجيات والتنقل بين بدائلها وفق احتياجات كل مرحلة بسرعة مناسبة ودقة عالية وقدرات مذهلة لكان السودان الآن في كف عفريت لأن الدعم السريع الذي ادعى ويدعي الديمقراطية ظل بعيدٱ عن الديمقراطية ومفاهيمها بعد المشرق عن المغرب وأصبح آلية لتحقيق أجندة محاور إقليمية ودولية تعمل لتفتيت السودان دون أقل وعي بتلك الأجندة.
قيادة الدعم السريع مدركة لتجاوزات وانتهاكات عناصرها في حق المدنيين وفي الأسواق والبيوت والبنوك وهي تعلم أن اسواق كبيرة كسوق ليبيا وسعد قشرة نهبت بالكامل والان العربات الملاكي المحروقة والمعطوبة تملأ شوارع وأزقة ولاية الخرطوم هذه غير التي تم نقلها إلى مناطق سيطرتها، ومنذ إندلاع الحرب وحتى اللحظة ظل المواطن يهرب من مناطق سيطرة الدعم السريع وآخرها كان نزوح مواطني ام قرفة ومناطق أخرى في شمال كردفان إلى أم درمان، والدعم السريع الذي يدعي التهميش قد تضرر منه المهمشين أكثر من أي فئة أخرى.
وقيادة الدعم السريع كانت ومازالت قادرة على حسم هذه التفلتات وعمليات النهب الواسعة ولكنها اعتقدت وتعتقد بفهم غير ثوري خاطئ بأنها إذا حاولت حسم المتفلتين سوف ينفض المقاتلين من حولها، ومعلوم أنه لم ولن ينتصر من ظلم مواطنٱ مهما سعى ومهما دعمته محاور إقليمية ودولية بإمكانيات قتالية عالية وقدرات تكنولوجية متفوقة.
لقد حظيت بالاطلاع على تأريخ سبعة عشر ثورة نجحت واستولت على السلطة في بلدانها وعدد من الثورات التي فشلت في تحقيق أهدافها فكانت كل الثورات الناجحة تحمي المواطنين وممتلكاتهم وانشطتهم وبالمقابل أن كل الثورات التي فشلت في تحقيق أهدافها كانت تظلم المواطنين وتذلهم وتهين كرامتهم وتنهب ممتلكاتهم لذلك لو كانت قيادة الدعم السريع مطلعة على تاريخ الثورات الناجحة لحاربت كل الذين استهدفوا المواطنين في أنفسهم وممتلكاتهم وحاكمتهم في الميادين أمام المواطنين واعدمتهم كما فعل الزعيم ڤدل كاسترو ورفاقه
الزعيم الدكتور جون قرنق ديمبيور قال للجيش الشعبي في مخاطبة مهمة جدٱ ( نحن زي السمك والمواطن زي الموية والموية كان بقى سخن السمك ما بعيش عشان كدا ما تخلوا الموية يبقى سخن)
هذه هي الثورية الناضجة والحكمة والوعي والقدرات الإستثنائية لكن قيادة الدعم السريع غضت الطرف عن عناصرها التي انشغلت بالنهب والانتهاكات الجسيمة ضد المواطنين وكانت النتيجة الحتمية أن تخرج قواته من ولاية الخرطوم ذليلة ومكسورة رغم العدة والعتاد والعدد وخطوط الدعم المفتوحة.
د. محمد مصطفى محمد فضل
25مايو2026م



