أخر الأخبار

مسارب الضي – دكتور محمد تبيدي – حين يُسجن القلم الحر تبكي الحقيقة خلف القضبان

وعلى حد قولي:
يا صاحبةَ الحرفِ الذي لا ينحني
ظلتْ مواقفُكِ الكريمةُ تُقتفى
إن ضاقَ سجنُ الظلمِ يوماً حولكِ
فالوطنُ يعرفُ من له قد اصطفى

في وطنٍ أنهكته الحرب، وتنازعته البنادق، وتكاثرت فوق أرضه المؤامرات، ظل هناك نفرٌ من أبناء السودان اختاروا أن يقاتلوا بالكلمة لا بالرصاص، وبالوعي لا بالخذلان، وبالمواقف الوطنية لا بالصمت المريب. ومن بين أولئك الصحفية الأستاذة رشان أوشي كأحد الأصوات التي واجهت تمدد الجنجويد، ووقفت بوضوح في خندق الوطن، مدافعة عن الجيش السوداني، ومنتصرة لقضايا المواطن الذي طحنته الحرب واللجوء والفقد والجوع والخوف.
لقد كانت رشان أوشي طوال سنوات الحرب من الأقلام الجريئة التي لم تخشَ الاصطفاف مع السودان في معركته الوجودية، ولم تكن كتاباتها مجرد كلمات تُلقى في فضاء الإعلام، بل كانت موقفاً واضحاً منحازاً لهيبة الدولة ووحدة التراب الوطني وكرامة المواطن السوداني. ولهذا فإن كثيرين اليوم يشعرون بالألم وهم يتابعون دخولها السجن على خلفية حكم قضائي متعلق بتحقيق صحفي أثار جدلاً واسعاً.
ولأننا نحترم القضاء، ونؤمن بسيادة القانون، فإننا لا نخوض في تفاصيل القضية، ولا في أسباب الحكم، ولا في طبيعة الإثباتات التي بُني عليها القرار القضائي. فذلك شأنٌ تقوله المؤسسات العدلية وحدها. لكن ما نملكه، وما يملكه كل صاحب ضمير حي، هو حق التضامن الإنساني والوطني مع امرأةٍ حملت هم الوطن في أصعب أيامه، ودفعت من عمرها وراحتها وأمنها الشخصي ثمناً لمواقفها.
إن التضامن مع رشان أوشي ليس دفاعاً عن خطأ، ولا اعتراضاً على القضاء، وإنما هو وفاءٌ لمواقف وطنية ظلت شاهدة عليها ساحات المعركة الإعلامية طوال سنوات حرب الكرامة. فمن وقفت مع الجيش في لحظة التآمر، ومن رفعت صوتها ضد الانتهاكات، ومن كتبت بجرأة حين صمت كثيرون، تستحق أن تجد من يضع يده على كتفها في محنتها.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح من الواجب على الجهات المختصة، وعلى أصحاب المبادرات الوطنية والخيرين، أن يسعوا للتواصل مع الشاكي ومحاولة فتح أبواب التسامح والعفو والمعالجة الودية، فالعفو عند المقدرة قيمة سودانية أصيلة، والسودان اليوم أحوج ما يكون إلى التراحم وتضميد الجراح لا إلى توسيع مساحات الألم.
لقد كانت رشان أوشي من الصحفيات اللاتي حملن قضية الوطن فوق أكتافهن، وواجهت حملات الهجوم والتشويه والتهديد، لكنها لم تتراجع عن قناعاتها، ولم تنكسر أمام العواصف. ولهذا فإن دخولها السجن قد أحزن قطاعاً واسعاً من السودانيين الذين رأوا فيها صوتاً وطنياً ظل حاضراً في معركة الوعي، ومسانداً للقوات المسلحة في واحدة من أخطر الحروب التي مرت على السودان الحديث.
إلى الزميلة رشان أوشي نقول:
إن الأسر مهما طال لا يمكنه أن يقيد الفكرة، ولا أن يسجن الموقف الوطني، ولا أن يطفئ نور الكلمة الحرة. فالسجون عبر التاريخ لم تُسقط أصحاب القضايا، بل زادتهم حضوراً في ذاكرة الشعوب. ورجاؤنا أن تظلي مؤمنة بأن الوطن يعرف أبناءه، وأن الكلمة الصادقة قد تتعب صاحبها لكنها لا تموت.
كما نقول لكل الصحفيين والإعلاميين السودانيين إن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الميدان، وإن الصحافة الوطنية الحرة تظل إحدى ركائز حماية الدولة والمجتمع من الانهيار والفوضى والخطاب المسموم.
نسأل الله أن يفك أسر الأستاذة رشان أوشي، وأن يهيئ لها من أمرها فرجاً قريباً، وأن تعود إلى ساحات الكتابة أكثر قوةً وثباتاً، وأن يحفظ السودان من كل فتنة، وأن ينصر جيشه، ويحقن دماء أهله، ويعيد للوطن أمنه واستقراره.

وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 + إحدى عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى