أخر الأخبار

لمسات – مصطفى فضل المولى يكتب – شرق السودان… الخطر الصامت الذي يقترب

يمثل شرق السودان اليوم إحدى أكثر المناطق حساسية في المشهد السوداني، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي وأهميته الاقتصادية والاستراتيجية، وإنما أيضًا بسبب التراكمات السياسية والاجتماعية والأمنية التي ظلت تتفاقم لسنوات دون معالجات جذرية حقيقية. وما يحدث في الشرق لم يعد مجرد خلافات قبلية أو مطالب خدمية عابرة، بل أصبح ملفًا يرتبط مباشرة بالأمن القومي ووحدة الدولة السودانية.

لقد ظلت أطراف خارجية، عبر أدوات متعددة، تعمل على استغلال حالة الهشاشة السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد، مستفيدة من ضعف الرقابة وغياب المشروع الوطني الجامع. ومع مرور الوقت، أصبحت بعض المجتمعات المحلية عرضة لحملات الاستقطاب والتعبئة التي تقوم على تعزيز الانتماءات الضيقة وإضعاف الروابط الوطنية، الأمر الذي ساهم في تنامي خطاب العنصرية والقبلية بصورة مقلقة تهدد النسيج الاجتماعي في الشرق.

إن أخطر ما في الأمر ليس وجود التدخلات الخارجية وحدها، بل غياب الانتباه الكافي من مؤسسات الدولة لحجم التغيرات التي تحدث على الأرض. فالفراغات الأمنية والسياسية دائمًا ما تخلق بيئة مناسبة لنمو التكتلات المسلحة والتحالفات غير الرسمية، خاصة عندما تتداخل المصالح الاقتصادية مع النفوذ العسكري والقبلي. ومع استمرار هذا الواقع، قد تجد الدولة نفسها أمام مراكز قوة موازية يصعب احتواؤها مستقبلًا.

وفي هذا السياق، يلاحظ كثير من المتابعين وجود تقارب سياسي وميداني متزايد بين بعض القوى المسلحة والحركات ذات النفوذ في شرق السودان، بما في ذلك التقارب بين حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم وبعض القيادات المؤثرة في الشرق المرتبطة بالحراك الأهلي والسياسي. ورغم أن التحالفات السياسية أمر طبيعي في فترات الأزمات، إلا أن حساسية المرحلة تتطلب أن تتم أي تفاهمات أو شراكات داخل إطار الدولة ومؤسساتها الرسمية، حتى لا تُفهم باعتبارها إعادة تشكيل لموازين القوة خارج المنظومة الوطنية الجامعة.

كما أن ملف دمج القوات والحركات المسلحة يجب أن يُنظر إليه باعتباره ضرورة استراتيجية لا تحتمل التأجيل. فاستمرار تعدد التشكيلات المسلحة خارج إطار المؤسسة العسكرية الرسمية يمثل تهديدًا مباشرًا لاستقرار الدولة ووحدة قرارها الأمني والعسكري. وكلما تأخر الدمج وإعادة الهيكلة وفق أسس مهنية ووطنية، ازدادت احتمالات الصدام والتنافس على النفوذ والموارد.

وفي الجانب الاقتصادي، لا بد من فرض أعلى درجات الشفافية والرقابة على المؤسسات المرتبطة بالمال والموارد الطبيعية، خاصة في القطاعات الحساسة مثل التعدين والمالية. فالدولة القوية لا تسمح بتداخل النفوذ العسكري مع السيطرة الاقتصادية خارج الإطار المؤسسي، لأن ذلك قد يؤدي إلى خلق شبكات تمويل تعزز الولاءات الخاصة على حساب المصلحة الوطنية.

إن شرق السودان لا يحتاج إلى مزيد من الاحتقان، بل إلى مشروع دولة عادل يشعر فيه المواطن بالأمن والانتماء والعدالة والتنمية. فحين تغيب التنمية، تتسع مساحة الغضب، وحين يضعف الخطاب الوطني، تنمو الانقسامات. لذلك فإن حماية الشرق ليست مسؤولية أمنية فقط، بل مسؤولية سياسية ومجتمعية ووطنية شاملة.

*لمسة اخيرة:-*
ويبقى السؤال الأهم: هل تتحرك الدولة قبل فوات الأوان، أم تترك الأزمة تتراكم حتى تصبح أكثر تعقيدًا وكلفة على الجميع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر − عشرة =

زر الذهاب إلى الأعلى