أخر الأخبار

لا البرهان ولا كامل ادريس يستطيعان مكافحة الفساد بفعالية في السودان حاليا

الرياض : عبد النبي شاهين
باحث في منظمة الشفافية الدولية وممثل المعهد الأمريكي لمكافحة الفساد في الشرق الأوسط وأفريقية

الحلقة الأولي

قد يكون عنوان هذا المقال قاسيا وصادما للكثيرين ، ولكنني احسب ان من يطلع عليه ربما سيوافقني الراي ، ذلك لما نشهده من واقع مزري ومعقد ومركب زادت الحرب المشتعلة منذ اكثر من ثلاث سنوات من تعقيده مما جعل من شبة المستحيل تفكيك فساد امراء احرب واطرافه ، ومن يعملون تحت مظلتهم وحمايتهم
ان صدور قرار من رئيس الوزراء، كامل إدريس، بتعيين الفريق شرطة عابدين الطاهر رئيساً لهيئة النزاهة والشفافية ، خطوة تعكس رغبة وجديه في بناء مؤسسات رقابية فاعلة للحد من الفساد الذي اصبح هو اساس المعاملات في معظم الحالات في الدولة ظاهرا او باطنا ، ولكن كان ينبغي قبل ذلك تسمية رئيس الهيئة ، اصدار قرار بتأسيس الهيئة نفسها ، ام انه مبني على ما سبق ان اعلنه الرئيس السابق عمر البشير عن تأسيس مفوضية لمكافحة الفساد ؟
فاذا كان الأمر كذلك فيجب على مجلس الوزراء الموقر توضيح الأمر للشعب السوداني ، الذي يجب ان يعرف هل هي هيئة كما في القرار ام مفوضية كما في قرار الرئيس البشير ؟، يحتاج الناس معرفه ماهي المؤسسة التي سوف يرأسها سعادة الفريق عابدين ، وماهي هياكلها واداراتها وقانونها الذي ستعمل به في ظل غياب مجلس تشريعي يناقش ويجيز هذا القانون ، حتى لا يكون رئيس الوزراء الموقر ( جاب الحصان قبال العربة ، او سمى المولود قبل ان يولد ) وماهو مصير النيابات الكثيرة المتخصصة في مكافحة الفساد مثل نيابة الاراضي ، ونيابة غسيل الأموال ، ونيابة ، ونيابة المال العام ، ونيابة المصارف ، ونيابة الجمارك ….الخ
اني لأشفق على الفريق عابدين الطاهر من هذا التكليف ، كما اشفق على السيد رئيس الوزراء نفسه فهما بلا شك من رجالات السودان المخلصين وكلاهما يريد ان ينجح واتمنى لهما التوفيق ، ورغم انني لا اعرف الفريق عابدين شخصيا ولا هو يعرفني ولكن المصلحة الوطنية تقتضي مني كشخص لصيق بهذا الملف ليس داخل السودان ولكن في الخارج وعلى مستوى المؤسسات الدولية المتخصصة ان اقدم له النصح والعون وان اشد من عضده لأن ما هو مقبل عليه ليس حلما جميلا لرئيس الوزراء وله ولنا جميعا ، بل هو كابوس مرعب فالفساد في السودان فاق حد الرعب نفسه وفاق كل الكوابيس
ما قرأته عن السيرة الطيبة للفريق عابدين الطاهر الذي اطلق عليه احد معجبيه لقب – ثعلب المباحث القديم – تجعلنا نطمئن بانه الرجل المناسب لهذه المهمة ( شبه المستحيلة ) التي ان فشل فيها ولا نتمى ذلك اطلاقا ، فسيكون خصما على تاريخه الشخصي وعلى مسيرته المهنية الناجحة ، بل وسيرتد ذلك حتما على السيد رئيس الوزراء نفسه الذي يسعى جاهدا للنجاح والعبور بالسودان الى بر الامان ، غير ان ذلك لا يعني ان يقف الجميع مكتوفي اليدي امام غول الفساد بل يجب ان يعمل الجميع بوطنية عالية وبقوة وشجاعة واخلاص
لذلك فان نصيحتي للرئيس الجديد لهيئة مكافحة الفساد ان يبعد عن السياسة تماما في عمله و في تعيينات مساعديه وحتى اصغر موظفيه ، فلا شئ يقتل عملية مكافحة الفساد اكثر من السياسة وانتماءاتها ، فمكافحة الفساد تقوم على العدل والقانون وقوة المؤسسات العدلية والقضائية ونزاهتها هي نفسها ، فالذي اضر بلجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو رغم كل المجهودات التي بذلتها انها كانت لجنة سياسية ولم تكن مهنية متخصصة في مكافحة الفساد من خلال الاجراءات القضائية بكل درجاتها
ان محاربة الفساد في دولة تخوض حربا تعد من أعقد التحديات السياسية والأمنية ؛ لأن الحرب نفسها تخلق بيئة مثالية لتوسع شبكات الفساد نتيجة ضعف الرقابة، وتضخم الإنفاق العسكري، وظهور اقتصاد الطوارئ، وتضخم الاقتصاد الخفي وتراجع مؤسسات الدولة ، وهو بالضبط ما يعيشه السودان منذ قرابة الأربع سنوات ، فضلا عن عدم وجود برلمان يراقب مؤسسات الدولة او يناقش قانون مكافحة الفساد نفسه ويجيزه ، ويراجع اللوائح الداخلية للوزارات والمؤسسات الحكومية والعامة والتي تعتبر اكبر ثغرات الفساد في السودان وهو فساد بالقانون
وكيف ستواجه هيئة مكافحة الفساد التي سيرأسها الفريق عابدين مهما كانت كفاءته امراء الحرب وقادة فصائله أو رجال الأعمال العاملين تحت حمايتهم ولصالحهم ، وهم يعتبرون انفسهم إلى( فوق المحاسبة ) بحجة دعم المجهود الحربي ؟ أن الفساد المغلف بالشعارات الوطنية يصبح أكثر تدميرًا للسودان ، كما انه عاص عن التفكيك ومقاوم له بشراسة السلاح الموجه ضد او مع والقصد واضح ، لذلك فان الأمر يحتاج الى نوع من الحكمة والذكاء والصبر والتأني فلا نستعجل النتائج ، وعلى رئيس الهيئة اولا ان يوفر الحماية للصحفيين والنشطاء في مجال مكافحة الفساد فهم عينه التي يبصر بها رغم عدم برءاة بعضهم من الأغراض
واود في المناسبة ان احيي مجهودات الصحفية الشجاعة رشان اوشي التي لا اعرفها شخصيا ولكنها تستحق التكريم داخل السودان ودوليا على مستوى مؤسسات مكافحة الفساد الدولية لما تقوم به من دور اعلامي قوي في كشف ملفات الفساد ، كما احيي كل زملاءها الصحفيين والاعلاميين والناشطين في هذا المجال داخل وخارج السودان الذين يقومون بأدوار مشهودة في فضح وكشف ملفات الفساد ، ولكن جهودهم هذه تذهب في اغلب الحالات ادراج الرياح لآن شبكات الفساد في السودان اقوى من مؤسسات الدولة والاقتصاد الخفي هو من يتحكم في الدولة ، ولا احسب ان الرئيس البرهان نفسه ولا رئيس الوزراء كامل ادريس ولا غيرهما بقادر على مكافحة الفساد في السودان في ظل هذه الاوضاع

انتهى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 + 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى