أخر الأخبار

بين خطاب الكراهية وأفق التوافق: هل تفتح بورتسودان نافذة للخروج من مأزق السياسة؟

بقلم : الزين اب شنب

في لحظة سياسية شديدة الحساسية تمر بها البلاد، عقدت الكتلة الديمقراطية مؤتمراً صحفياً بمدينة بورتسودان، في خطوة تمهيدية لانعقاد مؤتمرها التنظيمي الثاني، وسط تحديات متراكمة تفرض على الفاعلين السياسيين إعادة النظر في أدواتهم وخطابهم، بما يتجاوز الاصطفافات التقليدية نحو أفق وطني أكثر اتساعاً.
المؤتمر الصحفي لم يكن مجرد إعلان إجرائي لحدث تنظيمي قادم، بل حمل في طياته إشارات واضحة إلى إدراك متنامٍ داخل بعض مكونات المشهد السياسي بضرورة الانتقال من حالة الاستقطاب الحاد إلى مساحات التوافق الممكن. وفي هذا السياق، برزت مداخلة د. شذى عثمان عمر الشريف كواحدة من أهم محاور النقاش، حيث أكدت أن الهدف الأساسي للاجتماع يتمثل في نبذ خطاب العنف والكراهية، وهو خطاب ظل، خلال السنوات الماضية، وقوداً رئيسياً لتعميق الانقسامات وتغذية الصراع.
حديث شذى لم يكن مجرد طرح أخلاقي، بل عكس قراءة واقعية لطبيعة المرحلة، حين شددت على أن البلاد تمر بمرحلة حرجة تتطلب التضافر والوقوف إلى جانب بعضنا البعض، في إشارة واضحة إلى أن استمرار الانقسام السياسي لم يعد ترفاً يمكن احتماله، بل خطراً وجودياً يهدد ما تبقى من تماسك الدولة والمجتمع.
ومن زاوية تحليلية، فإن دعوة توحيد القوى السياسية التي طرحت في المؤتمر تعكس إدراكاً بأن أي عملية سياسية ناجحة في السودان لا يمكن أن تُبنى على الإقصاء، بل على شراكة واسعة تعالج جذور الأزمة، لا مظاهرها فقط. فالتجارب السابقة أثبتت أن الاتفاقات الجزئية والهشة سرعان ما تنهار أمام أول اختبار حقيقي، ما لم تستند إلى قاعدة اجتماعية وسياسية عريضة.
اختيار بورتسودان كمسرح لهذه التحركات يحمل دلالات إضافية، في ظل التحولات التي شهدتها المدينة خلال الفترة الأخيرة، لتصبح مركزاً سياسياً وإدارياً مؤقتاً، ما يجعلها منصة رمزية لإعادة ترتيب المشهد السياسي، وإرسال رسائل إلى الداخل والخارج على حد سواء.
لكن، ورغم أهمية الخطاب التصالحي الذي طُرح، يبقى التحدي الحقيقي في الانتقال من مستوى الشعارات إلى مستوى الفعل السياسي المنظم. فنبذ خطاب الكراهية، على أهميته، يحتاج إلى آليات عملية، تبدأ بإصلاح الخطاب الإعلامي، وتمر بإعادة بناء الثقة بين الفاعلين، ولا تنتهي عند صياغة مشروع وطني جامع يضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الضيقة.
المؤتمر التنظيمي الثاني المرتقب للكتلة الديمقراطية سيكون اختباراً حقيقياً لمدى قدرة هذا التيار على ترجمة هذه الرؤى إلى برامج عمل واضحة، قادرة على استقطاب قوى جديدة، أو على الأقل فتح قنوات حوار جادة مع بقية المكونات السياسية.
في المحصلة، يمكن قراءة هذا المؤتمر الصحفي كجزء من حراك أوسع يبحث عن مخرج من حالة الانسداد السياسي، لكنه يظل خطوة أولى في مسار طويل ومعقد، يتطلب شجاعة سياسية، وتنازلات متبادلة، وإرادة حقيقية لوضع حد لدائرة الصراع، وفتح صفحة جديدة عنوانها: وطن يتسع للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

6 + 7 =

زر الذهاب إلى الأعلى