أخر الأخبار

الاعتماد على أمريكا والرباعية.. هل يكون الحل أسوأ من الأزمة؟

 

في الوقت الذي يشتعل فيه الشرق الأوسط مجدداً، مع إعلان الولايات المتحدة الأمريكية “عمليات قتالية كبرى” ضد إيران ورد الأخير بضرب القواعد الأمريكية في الخليج، يبرز سؤال مشروع حول مصداقية واشنطن كوسيط نزيه في أزمات المنطقة. فإذا كانت أمريكا لا تتوانى عن شن حرب لتحقيق مصالحها دون اكتراث بسيادة الدول، فكيف يمكن الوثوق بأن مبادراتها في السودان، وتحديداً عبر آلية “الرباعية”، تهدف فعلاً لحل الأزمة لا لخدمة أجنداتها الخاصة؟ ما نشهده اليوم من تصعيد عسكري واسع يؤكد نمطا أمريكيا ثابتا، المصالح أولاً، والسيادة الوطنية آخراً، وهذا النمط نفسه يتجلى بوضوح في التعامل مع الملف السوداني، حيث تحاول واشنطن فرض رؤيتها عبر الرباعية (أمريكا، السعودية، الإمارات، مصر) بشروط يراها المراقبون والسودانيون أنفسهم بعيدة كل البعد عن تطلعاتهم الحقيقية.

الحرب من أجل المصالح
ما يحدث على الساحة الإيرانية يقدم دليلاً دامغاً على طبيعة السياسة الأمريكية، فخلال الساعات الماضية، شنت الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل موجات من الضربات الجوية على عدة مدن إيرانية، في عملية أطلقت عليها اسم “Epic Fury”، معلنة بدء “عمليات قتالية كبرى” تستهدف القدرات العسكرية الإيرانية، ولم تقف الأمور عند حدود القصف، بل امتدت لتطال القواعد الأمريكية نفسها في المنطقة، حيث أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين وقواعد أخرى في قطر والإمارات، مما دفع دول المنطقة لإغلاق مجالها الجوي تحسباً لمزيد من التصعيد.
ونقلاً عن تقارير إعلامية، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أقر بأن العملية قد تستمر لأيام وقد تسفر عن خسائر بشرية، مبرراً ذلك بضرورة “الدفاع عن الشعب الأمريكي” و”القضاء على التهديدات الإيرانية”، هذا المشهد يعيد التأكيد على حقيقة مفادها أن واشنطن تفعل ماتريد متغاضية سيادة الدول، فالقواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج لم تكن لحماية الدول المضيفة بقدر ما كانت منصة انطلاق لعمليات تحقق المصالح الأمريكية، مما جعل هذه الدول نفسها عرضة للردود الإيرانية العنيفة.

السودان في مرمى المصالح.. كيف تكرر أمريكا السيناريو ذاته؟
إذا كان المشهد الإيراني يعكس الوجه العسكري الصارخ للسياسة الأمريكية، فإن الملف السوداني يعكس الوجه “الدبلوماسي” ذاته، حيث تحاول واشنطن عبر آلية الرباعية فرض حلول تراعي مصالحها وتحالفاتها الإقليمية، بغض النظر عن مدى تلبيتها لاحتياجات السودانيين أو احترامها لإرادتهم.
وفي السياق ذاته، ونقلاً عن الجزيرة، فإن الخبراء يحذرون من سياسة “البلوب” الأمريكية التي تخلق توازناً مصطنعاً بين الجاني والضحية، وتعيد إنتاج خطابات الميليشيات كحقائق جيوسياسية، ففي السودان، تتعامل واشنطن مع قوات الدعم السريع كطرف ند للجيش السوداني، مما يمنح الميليشيا شرعية دولية لا تستحقها. هذا الخلط المتعمد ليس خطأ تحليلياً، بل هو “تواطؤ ضمني” يخدم أجندة حلفاء أمريكا في المنطقة، وفي مقدمتهم الإمارات التي تدعم قوات الدعم السريع.
وتذهب تحليلات أخرى إلى أن الخطة الأمريكية في السودان “محكوم عليها بالفشل” بسبب التناقضات الداخلية للرباعية ذاتها. فالإمارات تدعم الدعم السريع علناً، ومصر تدعم الجيش، والسعودية تحاول التوفيق، وأمريكا تمنح غطاءً سياسياً للجميع مقابل الحفاظ على تحالفاتها، هذا الوضع يجعل الرباعية “وسيطاً منحازاً” وغير قادر على تقديم حل حقيقي، بل على العكس، يعمل على إطالة أمد الأزمة.
نقلاً عن تقرير لـ”أفريكا ريبورت”، فإن المبادرة الأمريكية الأخيرة لإعلان خطة سلام شاملة واجهت انتقادات لاذعة بسبب تهميش السودانيين أنفسهم، فالسفير السوداني في واشنطن أكد أن “هناك حقائق على الأرض غير متاحة لمعظم المشاركين”، وأن “رواية الشعب السوداني مهمة بنفس القدر”، بل إن ممثلي غرف الطوارئ السودانية حذروا من أن الوضع لا يزال غير مستقر بشكل خطير، وأن المجتمع الدولي يجب أن يحمي المتطوعين على الأرض بدلاً من فرض حلول من فوق.
وفي خطوة تكشف حجم التناقض، تعلن الإمارات (الداعم الرئيسي للدعم السريع) عن تبرعها بـ500 مليون دولار كمساعدات إنسانية للسودان، في الوقت الذي توثق فيه تقارير أممية وجامعية دورها في إطالة أمد الحرب عبر تسليح الميليشيا، وبينما تصدر واشنطن بيانات تدعو لوقف إطلاق النار، توافق على صفقات أسلحة بمليارات الدولارات لأبوظبي.
إن ما يحدث في السودان يشبه إلى حد كبير ما يحدث في إيران، ففي الحالتين، تتحرك أمريكا وفق مصالحها فقط، هناك، تضرب بالقنابل لتحقيق أهدافها، وهنا، تمارس ضغوطاً دبلوماسية عبر الرباعية لفرض شروط مرفوضة شعبياً ورسمياً.
ونقلاً عن الكاتب كاميرون هدسون، فإن “إدراج الإمارات كوسيط في الرباعية هو خطأ جوهري، فكيف يمكن لدولة أن تكون وسيطاً ومحرضاً رئيسياً على القتال في نفس الوقت؟”، هذا السؤال يبقى معلقاً، والإجابة عنه تكشف زيف الحياد الأمريكي، وتؤكد أن كل ما يحدث هو للوصول إلى مصالح أمريكا وحلفائها، بغض النظر عما يحتاجه السودان فعلاً من سلام حقيقي يعيد بناء الدولة ويحفظ كرامة الشعب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى