أخر الأخبار

ندي عثمان الشريف تكتب : ودمدني… حين يزهر المكان رغم كل شيء

في وسط السودان، تقف مدينة ودمدني اليوم كأنها تكتب فصلًا جديدًا من سيرتها، فصلًا لا تُروى كلماته بالحبر وحده، بل بالحياة التي عادت تدب في الشوارع، وبالخطى التي استعادت إيقاعها الطبيعي، وبالوجوه التي تعلّمت أن تبتسم من جديد رغم قسوة الطريق.
ودمدني لا تعود فقط… بل تزدهر.
في هذه الأيام، يبدو المشهد في المدينة أشبه بلوحة نابضة بالحركة. السوق القديم، الذي ظل عبر عقود القلب التجاري النابض للولاية، عاد أكثر حيوية واتساعًا، لا كمكان للبيع والشراء فحسب، بل كمساحة لقاء إنساني، ومؤشر حيّ على قدرة الناس على إعادة بناء تفاصيل حياتهم مهما تعثّرت.
ومن اللافت أن المدينة تشهد في هذه الفترة حراكًا تجاريًا استثنائيًا، تمثّل في إقامة ثلاثة معارض تجارية في توقيت واحد، اضافه الي البازارات التجاريه لعرض الاعمال اليدويه وكأن ودمدني أرادت أن تعلن حضورها بصوتٍ عالٍ وواضح.
في ميدان التراث، تلاقت الحرف والمنتجات المحلية في مشهد يعكس عمق الهوية وروح الإبداع.
وفي الغرفة التجارية، تجلّى التنظيم والاحتراف وروح المبادرة الاقتصادية التي تعيد رسم ملامح النشاط التجاري الحديث.
أما في حديقة وقيع الله، فقد امتزج الجمال بالمبادرة، وتحولت المساحات المفتوحة إلى منصات عرض تعكس ديناميكية الحركة الاقتصادية على امتداد المسار التجاري في المدينة.
لكن ازدهار ودمدني لا يُقاس بحركة الأسواق وحدها.
ففي المسار الطوعي، يبرز وجه آخر أكثر دفئًا وإنسانية. التكايا والموائد الرمضانية المنتشرة في الأحياء تحوّلت إلى مشهد يومي من التضامن الحيّ. هناك، حيث كانت المحنة يومًا ثقيلة الوطأة، تنبت اليوم بذور الرحمة والتكافل. لم تعد هذه المبادرات مجرد أعمال خيرية عابرة، بل أصبحت تعبيرًا عميقًا عن مجتمع يرفض أن ينكسر، ويصرّ على أن يجعل من العطاء أسلوب حياة.
إنها بحق أرض المحنة التي أنبتت أزهار الصبر… ثم أزهرت كرامةً وتكاتفًا.
وفي ميدان التعليم، يكتمل المشهد المشرق. الجامعات والكليات فتحت أبوابها، وعادت القاعات تمتلئ بالطلاب، وعادت المعرفة تسير في طرقاتها بثقة. استئناف الدراسة ليس مجرد عودة مؤسسات إلى العمل، بل هو إعلان واضح بأن المستقبل ما زال حاضرًا في وجدان المدينة، وأن الاستثمار الحقيقي يظل دائمًا في الإنسان وعقله وأحلامه.
ودمدني اليوم ليست مجرد مدينة استعادت نشاطها… بل مجتمع أعاد اكتشاف ذاته.
مدينة تمارس الحياة بإصرار، وتحتضن الاقتصاد بروح المبادرة، وتحتفي بالتكافل كقيمة يومية، وتؤمن أن التعليم هو الطريق الأطول… لكنه الأصدق.
إنها مدينة تعلّمنا أن الازدهار ليس غياب المحن، بل القدرة على تحويلها إلى طاقة بناء.
وتعلّمنا أن المدن الحقيقية لا تُقاس بحجم عمرانها فقط، بل بعمق روحها.
وهذه الأيام… روح ودمدني في أوج ازدهارها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى