أكد مستشار رئيس الوزراء، مصلح نصار الرشيدي، أن الذكرى الأولى لمجزرة الفاشر ليست مجرد استعادة لحدث مأساوي في تاريخ السودان، بل هي اختبار أخلاقي وقانوني لمصداقية المجتمع الدولي، ومدى جديته في حماية المدنيين ومحاسبة مرتكبي الجرائم الجسيمة، بعيداً عن الحسابات السياسية والمصالح التي ظلت تتحكم في مواقف بعض الأطراف الدولية.
وقال الرشيدي إن الجرائم والانتهاكات المنسوبة إلى مليشيا الدعم السريع، وما شهدته الفاشر من فظائع بحق المدنيين، تستوجب تحركاً دولياً عاجلاً يتناسب مع خطورة الوقائع، وفتح مسار جاد للمساءلة القانونية، والنظر في تصنيف المليشيا تنظيماً إرهابياً وفقاً للمعايير والأدلة القانونية ذات الصلة.
وأضاف مصلح أن الاكتفاء ببيانات الإدانة والتعبير عن القلق، دون إجراءات رادعة، يفرغ الالتزامات الدولية من مضمونها، ويمنح مرتكبي الانتهاكات انطباعاً بأن الإفلات من العقاب أمر ممكن.
وشدد الرشيدي على أن المأساة الحقيقية لا تكمن في وقوع الجريمة وحدها، وإنما في أن تصبح الجريمة الكبرى عاجزة عن تحريك إرادة المجتمع الدولي، وأن تتحول العدالة إلى ملف خاضع للمساومات السياسية وموازين النفوذ. فالضحايا في الفاشر لا ينتظرون تعاطفاً موسمياً، وإنما ينتظرون إنصافاً حقيقياً، وتحقيقاً مستقلاً، ومحاسبة لكل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم.
وانتقد الرشيدي ما وصفه بالتراخي الدولي إزاء الانتهاكات في السودان، مؤكداً أن أي مقاربة تتجاهل خطورة الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، أو تساوي بين الدولة ومؤسساتها الوطنية والمليشيات المسلحة خارج إطارها، من شأنها تعقيد الأزمة وإضعاف فرص الوصول إلى سلام مستدام. وأوضح أن حماية المدنيين، واحترام سيادة السودان ووحدة أراضيه، ومحاسبة المتورطين، يجب أن تكون مرتكزات ثابتة لأي تحرك دولي جاد.
وفي ما يتعلق بالدعم الخارجي للمليشيا، دعا الرشيدي إلى تحقيقات دولية مستقلة وشفافة بشأن الاتهامات الموجهة إلى الدول التي تقوم بتقديم الدعم لمليشيا الدعم السريع، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة الموثقة، ومساءلة كل من يثبت تورطه في تمويل الحرب أو تسليح الأطراف المسؤولة عن الانتهاكات. كما شدد على ضرورة التحقيق في أي ادعاءات بشأن محاولات التأثير في مسارات العدالة الدولية، حتى لا تتحول المؤسسات المعنية بحماية القانون إلى ساحات لتغليب النفوذ السياسي والمالي.
وأضاف أن المجتمع الدولي مطالب بالانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها، عبر وقف مصادر التمويل والتسليح التي تسهم في استمرار الحرب، وتعزيز آليات حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم المسارات القانونية التي تكفل عدم إفلات المسؤولين عن الجرائم من العقاب.
واختتم الرشيدي تصريحه بالتأكيد على أن ذكرى مجزرة الفاشر يجب ألا تمر بوصفها مناسبة للحزن فحسب، بل باعتبارها مسؤولية مستمرة تجاه الضحايا والشعب السوداني، قائلاً:
«إن دماء ضحايا الفاشر أمانة في ضمير الإنسانية، والعدالة لا تُقاس بقوة القرارات التي تُعلن، وإنما بقدرتها على إنصاف المظلومين ومحاسبة الجناة. وعلى المجتمع الدولي أن يثبت أن القانون فوق المصالح، وأن أرواح السودانيين ليست أقل قيمة من أرواح الآخرين، وأن السودان لن يقبل بأن تتحول معاناة شعبه إلى ورقة في صراعات النفوذ أو أن يُترك ضحاياه رهائن لسياسة الإفلات من العقاب».
