.
خالدة ودالمدني
لم يكن استهداف مطار الرياض مجرد تهديد أمني لمنشأة حيوية؛ فحين تصل المواجهة إلى المطارات والمنشآت المدنية، تتجاوز آثارها حدود الهدف المباشر، وتدخل في حسابات الردع والتحالفات وأمن المنطقة.
وقد أعادت الهجمات التي استهدفت مطار الملك خالد في الرياض يومي 10 و11 أكتوبر 2026 هذه الأسئلة إلى الواجهة، بعدما أُعلن عن سقوط قتلى ومئات المصابين في الهجوم الأول، ثم وقوع هجوم جديد تسبب في إصابات. وأعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجمات، فيما أدانت الأمم المتحدة الهجوم الدامي المنسوب إليهم.
لكن السؤال يتجاوز تفاصيل الضربة: هل نحن أمام تصعيد مرتبط بالحرب في اليمن، أم أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى؟
إيران والحوثيون: ما وراء التصعيد
يضع التصعيد الحوثي العلاقة مع إيران في دائرة الحسابات الإقليمية، بالنظر إلى الدعم الذي قدمته طهران للجماعة، بما في ذلك القدرات العسكرية والتقنيات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
لكن وجود هذا الدعم لا يكفي وحده لإثبات أن إيران أصدرت أمرًا بتنفيذ هجوم بعينه؛ فالمسؤولية المباشرة تحتاج إلى أدلة مستقلة.
وتكمن أهمية التصعيد في نتائجه المحتملة: هل يسعى الحوثيون إلى الضغط على السعودية ورفع كلفة تدخلها في اليمن، أم أن اتساع الهجمات قد يدفع خصوم إيران إلى تنسيق أكبر لمواجهتها؟
فالتصعيد قد يحقق ضغطًا عسكريًا آنيًا، لكنه قد يفتح أيضًا الباب أمام اصطفاف إقليمي أوسع، ويحوّل المواجهة من صراع على جبهة محددة إلى اختبار أشمل لموازين الردع.
تكتسب العلاقات الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان أهمية خاصة في ظل اضطراب البيئة الأمنية الإقليمية.
ففي 9 أغسطس 2026، أعلنت الدول الثلاث توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تنص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا، مع تعزيز التعاون الدفاعي والردع المشترك.
ويمثل هذا الاتفاق تطورًا مهمًا في العلاقات الأمنية بين الدول الثلاث، لكنه لا يعني تلقائيًا أن كل تصعيد سيقود إلى تدخل عسكري مشترك؛ إذ تبقى طبيعة التهديد وآليات الاستجابة والمصالح الوطنية عوامل حاسمة.
كما ينبغي التمييز بين الاتفاق الدفاعي الثلاثي وأي اجتماعات تشاورية أوسع تضم دولًا أخرى، فالمشاركة في مشاورات سياسية لا تعني الانضمام إلى اتفاقية الدفاع.
والسؤال هنا ليس فقط ما إذا كان هذا التقارب سيعزز الردع، بل كيف يمكن أن يؤثر في حسابات القوى التي ترى في التحولات الإقليمية فرصة لتوسيع نفوذها.
سوريا الجديدة: هل يتراجع النفوذ الإيراني؟
تفتح التحولات السياسية في سوريا المجال أمام إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية، وتمنح دولًا مثل السعودية وتركيا فرصًا جديدة للتأثير في مستقبل البلاد.
أما إيران، التي راكمت نفوذًا واسعًا في سوريا خلال سنوات الحرب، فتواجه بيئة إقليمية مختلفة. وقد يؤدي تغير موازين القوى والعلاقات الخارجية السورية إلى تقليص بعض مساحات نفوذها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختفاء هذا النفوذ سريعًا أو بصورة كاملة.
فإعادة تشكيل سوريا لن تظل مسألة داخلية؛ بل ستنعكس على حسابات الأمن الإقليمي، وعلى العلاقات بين القوى المحيطة بها، وعلى مستقبل التوازنات في العراق ولبنان والمنطقة الأوسع.
ومن هنا، يصبح التحول السوري جزءًا من مشهد أكبر تتداخل فيه ترتيبات الأمن مع المصالح الاقتصادية والسياسية..
واشنطن وطهران: حدود المواجهة
تواجه الولايات المتحدة معادلة دقيقة بين حماية شركائها ومصالحها الاستراتيجية وتجنب الانجرار إلى مواجهة إقليمية يصعب احتواء نتائجها.
وقد أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن واشنطن تدرس احتمال الانضمام إلى العمليات السعودية ضد الحوثيين، من دون أن يعني ذلك، في حد ذاته، اتخاذ قرار نهائي بالتدخل العسكري.
وفي المقابل، قد يؤدي اتساع المواجهة إلى زيادة الضغوط على إيران، إذا دفع خصومها إلى تنسيق أكبر، ورفع كلفة تحركات الجماعات الحليفة لها.
وتظل النتيجة مرتبطة بمدى اتساع العمليات، وطبيعة الردود، وما إذا كانت الأطراف ستتمكن من احتواء التصعيد أم ستدفع به إلى جبهات جديدة..
وتتشابك علاقات السودان مع أطراف عديدة في هذا المشهد، بينها السعودية ومصر وتركيا وإيران. وقد استأنف السودان وإيران العلاقات الدبلوماسية في أكتوبر 2023 بعد انقطاع دام سبع سنوات. كما نشرت رويترز في أبريل 2024 تحقيقًا عن تقارير بشأن حصول الجيش السوداني على طائرات مسيّرة إيرانية الصنع، استنادًا إلى مصادر عسكرية ودبلوماسية وبيانات رحلات وصور أقمار صناعية؛ فيما نفى مسؤول سوداني حصول السودان على أسلحة من إيران، ولم تتمكن رويترز من التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل عمليات التسليم.
هذه الخلفية تجعل العلاقة السودانية الإيرانية جزءًا مهمًا من حسابات البحر الأحمر، لكنها لا تعني أن السودان طرف في الاتفاق الدفاعي السعودي–التركي–الباكستاني، ولا تثبت انحيازه تلقائيًا إلى أي محور إقليمي.
وتكمن المفارقة في أن السودان يمتلك موقعًا استراتيجيًا مهمًا، لكنه لا يزال عاجزًا عن توظيف كامل إمكاناته بسبب الحرب الداخلية التي تستنزف الدولة والاقتصاد، وتضعف مؤسساتها، وتحد من قدرتها على بناء سياسة خارجية متماسكة.
فالموقع الجغرافي وحده لا يصنع النفوذ؛ إذ يحتاج إلى دولة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، وقرار وطني قادر على تحويل الموقع إلى مصالح وشراكات تخدم الشعب السوداني.
واستعادة الدولة السودانية لقدرتها على الحركة ليست شأنًا داخليًا فحسب، بل شرط أساسي حتى لا تتحول الجغرافيا السودانية إلى ورقة في حسابات الآخرين، بدلًا من أن تكون مصدرًا للقوة والاستقلال..
لا تُقاس نتائج التصعيد بعدد الصواريخ وحده، بل بما يتركه من أثر في التحالفات وحسابات الردع وموازين النفوذ. فقد تدفع الهجمات إلى تفاهمات أمنية جديدة، لكنها قد تفتح أيضًا الباب أمام مواجهة أوسع يصعب التحكم في مسارها.
وفي خضم هذا السباق لإعادة تشكيل موازين النفوذ في المنطقة، حيث تتقاطع التحالفات العسكرية مع المصالح الاقتصادية وأمن البحر الأحمر، يبقى السودان حاضرًا بحكم موقعه وعلاقاته المتشابكة، لكنه لا يزال منشغلًا بحرب تستنزف دولته وتحدّ من قدرته على الحركة.
فهل يستطيع السودان استثمار موقعه الاستراتيجي ليكون طرفًا فاعلًا في معادلة الإقليم، أم ستُرسم خرائط النفوذ من حوله، بينما لا يزال غارقًا في معركته الداخلية؟.
