دكتور عبد الناصر سلم يكتب: البرهان… ما تقوله الصورة

قراءة في لغة الجسد وصورة القيادة في زمن الحرب

في السادس والعشرين من مارس 2025، عاد الفريق أول عبدالفتاح البرهان إلى الخرطوم. قبّل أرض المطار، ورفع قبضته أمام قواته، ثم أعلن من القصر الجمهوري: «الخرطوم حرة». حملت العودة خبرًا عسكريًا وصورة سياسية في آن واحد. فالانحناء نحو الأرض، والذراع المرتفعة، والمكان الذي جرى فيه الظهور، اجتمعت في مشهد ارتبط بلحظة بارزة من الحرب.

ولدى مؤيدي الجيش، اختصرت تلك الصور معنى العودة إلى العاصمة والاحتفاء بالقوات التي أتاحت الوصول إليها. لكن قراءة المشهد تبدأ من تفاصيله: إلى من تتجه الحركة؟ وما الذي يمنحها معناها؟ وأي جزء من التفاعل تحفظه الكاميرا؟

تساعد مشاهد مختارة من ظهور البرهان بين عامي 2023 و2025 على فهم العلاقة بين الجسد والمكان والجمهور. ففي التحيات بين القوات يتقدم الاتصال الفردي، وأمام الأمم المتحدة تظهر وظيفة التمثيل الرسمي، وعند العودة إلى الخرطوم يدخل الموقع نفسه في معنى الإيماءة، وبين النازحين تكتسب المسافة القريبة وزنًا مختلفًا.

تعتمد هذه القراءة على صور وعينات بصرية من التسجيلات المتاحة، دون تدقيق صوتي. وتفصل بين الحركة الظاهرة، ووظيفتها التواصلية المحتملة، وتفسيرها السياسي؛ حتى يبقى كل استنتاج في حدود ما تسنده الأدلة.

بين القوات: تفاصيل التحية

في مشاهد نهارية نُشرت في السابع عشر من مايو 2023، يظهر البرهان وسط المحيطين به، يغيّر اتجاه وجهه وجذعه بحسب موقع من يحييه، ويمد يده، وتظهر ابتسامة في بعض اللحظات. تاريخ النشر معلوم، بينما يبقى يوم التصوير الدقيق غير مثبت.

جاء نشرها بعد نحو شهر من اندلاع الحرب، وفي وقت بدأت فيه محاولات التفاوض. فقد انطلقت المحادثات التمهيدية في جدة في السادس من مايو، ووقّع ممثلو الجيش والدعم السريع إعلان الالتزام بحماية المدنيين في الحادي عشر منه. يوضح ذلك سياق انتشار المشاهد، دون أن يحدد تاريخ التقاطها.

أبرز ما فيها هو تنظيم التحية. يتجه الوجه والجذع نحو الشخص المقابل، ثم تشترك الذراع في الاتصال. ويُعرف هذا بالتوجّه الجسدي؛ إذ يساعد اتجاه أجزاء الجسد على تحديد الطرف الذي يدور معه التفاعل.

وتكشف العينات المتقاربة تسلسلًا يمكن مراجعته. عند الثانية الرابعة عشرة تقريبًا من المقتطف، تظهر اليد ممتدة ومفتوحة باتجاه شخص إلى يمين الصورة. وعند الثانية 14.25، يظهر اتصال اليدين، ثم تتضح المصافحة في العينات التالية.

يمنح هذا التسلسل الحركي تفسير التحية أساسه: امتداد اليد، ثم الاتصال. والمصافحة صورة من التواصل اللمسي، تؤدي وظيفة اجتماعية في اللقاء، بينما لا تسمح الصور بتقدير ضغط اليد أو طبيعة العلاقة الشخصية.

وتدخل الابتسامة ضمن مجموعة من الإشارات المتضافرة. اقترانها بتوجيه الجسد والمصافحة يجعلها جزءًا من تقديم التحية، دون أن تثبت وحدها شعورًا بالاطمئنان.

وتقوى الملاحظة بالمقارنة داخل اللقاء نفسه: يتغير الشخص المقابل، ويتغير معه اتجاه الجسد، بينما تبقى الظروف متقاربة. ورغم حجب بعض التفاصيل بأجساد المحيطين والرسوم المضافة إلى الفيديو، تسمح الأجزاء الظاهرة بوصف اتصال فردي يتنظم بحسب موقع الآخر.

سياسيًا، تقدم المشاهد صورة قائد قريب من قواته في مرحلة مبكرة من الحرب. أما أثر الظهور في معنوياتهم، فيحتاج إلى شهاداتهم؛ فالكاميرا تحفظ اللقاء، ولا تنقل وحدها كل ما تركه في المشاركين.

خلف المنبر: حضور ممثل الدولة

حين وقف البرهان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الحادي والعشرين من سبتمبر 2023، ثم في السادس والعشرين من سبتمبر 2024، تغير مقام الظهور. بدلة مدنية، ودبوس العلم، ومنبر رسمي، وجمهور يتلقى موقفًا معلنًا باسم السودان.

وسبق خطاب 2024 لقاء مع الأمين العام للأمم المتحدة في الخامس والعشرين من سبتمبر، تناول الوصول الإنساني وحماية المدنيين. يضع ذلك الخطاب ضمن نشاط دبلوماسي متصل بالحرب وتداعياتها.

تختلف الحركة خلف المنبر عن التحيات الميدانية. فالمتحدث يتعامل مع جمهور بعيد، ومادة مكتوبة، ومساحة محدودة. وفي عينات من خطاب 2023، بين 06:55 و07:00، يظهر الرأس متجهًا إلى الأسفل، ثم يرتفع ويتجه إلى الجانب. وعند نحو 06:58، تظهر أوراق أمام البرهان وبين يديه، قبل أن يتجه رأسه إلى الأسفل مجددًا.

ظهور الأوراق يقوي تفسير الرجوع إلى النص. ومع ذلك، فإن اتجاه الرأس لا يحدد موضع النظر بدقة؛ فزاوية التصوير لا تكشف ما يركز عليه في كل لحظة.

وفي عينات خطاب 2024، يظهر أيضًا انتقال بين الاتجاه إلى الأسفل وتوجيه الرأس نحو القاعة. تسمح المقارنة بوصف هذا النمط في المقاطع المفحوصة، دون تحويله إلى حكم على الثقة أو الشخصية.

كما يحجب المنبر بعض حركة اليدين، وينتقل البث أحيانًا إلى الوفد والقاعة. وهكذا تحدد الكاميرا المجال الحركي المرئي: ما تتيحه للملاحظة وما تتركه خارج الإطار.

ويكمل المحضر الرسمي مضمون المشهد بتوثيق حديث البرهان في خطاب 2024 عن إنهاء الحرب والمساعدات الإنسانية وترتيبات العملية السياسية. ومن اجتماع النص والزي والعلم والمنبر، يتضح إطار تمثيل الدولة. أما أثر هذا الحضور في المواقف الدولية، فيحتاج إلى متابعة ما أعقبه من قرارات وتحركات.

↑
Exit mobile version