نسرين مالك – نقلا عن صحيفة الغاردينال
لا تعد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في العادة، مناسبات مشوقة. غير أن دورة هذا العام جسدت عالما يعيش حالة سيولة وأزمة، ومنظومة قانون دولي ومؤسسات أممية تتهاوى، وجهازاً إنسانياً يعمل بأقصى طاقته. وما جرى لم يكن اجتماعاً للتوصل إلى حلول وإبداء العزم عليها، بقدر ما كان استعراضاً للمزايدات والإحباط والتشرذم.
كانت الدورة لقطة تستحق التوثيق في كتب التاريخ لأربعة نزاعات كبرى مزعزعة للاستقرار، لا يبدو أن ثمة وسيلة لحلّها ولا رغبة في ذلك: أوكرانيا وإيران وفلسطين والسودان. فقد قدم فولوديمير زيلينسكي عرضاً لخمس سنوات من العدوان الروسي: الخسائر البشرية الفادحة التي بلغت مئات الآلاف من القتلى على الجانبين، وثغرات العقوبات المفروضة على روسيا، و«جنون» الحرب برمّته. وكرّر دونالد ترامب تهديده بـ«إبادة» إيران ما لم تبرم اتفاقاً، وهو وعيد تكرّر حتى بات تكراره دليلاً على جوفه. ورد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في كلمته بأن بلاده ضحية «إرهاب» أمريكي وعدوان، وأنها ستدافع عن نفسها «بأقصى قوة». وغادر القاعة الممثل الوحيد للوفد الأمريكي.
وسط هذه السجالات الجامحة غير اللائقة، ضاعت المناشدات بالتذكير بالوقائع تحت وطأة الشهوة إلى السلطة. فقد قال العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني إن شعور الحكومة الإسرائيلية بالإفلات من العقاب «بلغ مستويات مرعبة»، مضيفاً: «لم تعد تشعر بالحاجة إلى أن تسأل: هل يمكننا الإفلات بما نفعل؟ إنها تعرف الجواب سلفاً».
وتابع: «إذا كان بالإمكان تجاهل القانون الدولي لعقود، فما قيمة هذا القانون إذن؟». وكأنما أُريد الرد على هذا التساؤل، صعد بنيامين نتنياهو، وهو القائد الوحيد المطلوب بموجب مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية الذي يخاطب الجمعية العامة، ليلقي خطاباً عدائياً على عادته. والجواب: لا قيمة له على الإطلاق.
وفي الحديث عن انعدام قيمة القانون الدولي، شهدت الجمعية العامة مهزلة أخرى، حين وعظت الإمارات العربية المتحدة، اللاعب الرئيسي في حرب السودان، بتقوى مصطنعة عن حق الشعب السوداني في السلام والحكم المدني، في حين تتهم قيادتها بتسليح قوات الدعم السريع وتمويلها، وهي القوات المتهمة بدورها بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي. وقد تمكنت الإمارات، الحليفة الوثيقة للولايات المتحدة وبريطانيا، من توسيع رقعة الحرب في السودان لتتحول إلى نزاع كارثي، دون أن تتلقى كلمة لوم واحدة، بل دون مجرد اعتراف من أصدقائها بدورها. ويبدو أن استثماراً بقيمة 500 مليون دولار في مشروع العملات المشفرة التابع لعائلة ترامب، وشراكات بمليارات الجنيهات مع بريطانيا، قد أسرت الدولتين. وبلغ الصمت الذي اشترته أبوظبي حدّاً من الالتزام الطائع، حتى إن كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون الأفريقية والعربية (والد زوج تيفاني ترامب) أقر بوجود مصالح أجنبية لكنه رفض تسمية أي دولة.
وحتى على المستوى الإجرائي، ميلت الأرض لصالح من يملكون القوة والجرأة على ذلك. فقد استخدمت إدارة ترامب سلطتها السيادية في تحديد من يحضر ومن لا يحضر، موظِفة نظام التأشيرات سلاحاً، فتحولت الأمم المتحدة من هيئة محايدة لها قواعدها وبروتوكولاتها إلى أداة تطوَع لخدمة مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، لمجرد أن مقرها يقع على الأراضي الأمريكية. فقد حُرم الرئيس الفلسطيني محمود عباس (وهو غير مطلوب للجنائية الدولية) و80 مسؤولاً فلسطينياً آخرين من التأشيرات للمرة الثانية في عهد ترامب. كما منع رئيس الحكومة السودانية والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، خصم قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيا، من التأشيرة، وهو ما يبدو مؤشراً على نجاح المناورات الإماراتية في واشنطن. وهذه الديناميات تعبّر عن الكيفية التي تُدار بها السياسة الخارجية والنزاعات اليوم، بتلاعب دائم بالنظام لتعظيم كفة طرف على آخر، وإنتاج نتائج تلائم القوى الإقليمية والعالمية.
وسط هذا الانهيار، برز توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، ينتقل بنشاط من اجتماع إلى آخر، بطاقة متفائلة عنيدة. فقد نشر سيلا محموماً من المقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي يتحدث فيها عما يمكن فعله في قلب الحريق، في ما يشبه نسخة دبلوماسية من ميم «كل شيء على ما يرام». وبارك الله فيه. في أحد المقاطع يتمشى مع ألكسندر دي كرو، مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي يتحدث عن مشكلة «تراكم الأزمات بعضها فوق بعض». ويقول فليتشر: «الجواب عن كثير مما نقوم به هو في الواقع الدبلوماسية. فتح هذه الاختناقات: باب المندب والبحر الأسود ومضيق هرمز، وإلا فسيكبر حجم الملفات التنموية والإنسانية التي نتعامل معها بكثير».
إنه يمثل نموذجاً جديداً آخذاً في الظهور للعامل الدولي والإنساني: يتحرك وسط تقليص التمويل، وتراجع الاهتمام بالسلام، وانسحاب سياسي من المساعدات الدولية، سعيا للحفاظ على حد أدنى من تدفق الأموال، وضمان وصول بعض الدعم إلى الملايين الذين يرزحون تحت وطأة الحروب والأزمة المناخية والأمراض والفقر والجوع والاستغلال. فالحروب ستستمر، وصارت الاستراتيجية الآن التفاوض مع القوى الكبرى لفتح ما يمكن فتحه من منافذ مسدودة لإدخال الإمدادات والإغاثة، من مساعدات الشتاء في غزة إلى احتواء تفشي الإيبولا.
لكن واقعنا الراهن ليس مجرد مسألة دبلوماسيين مخلصين وقوى متحاربة ساخرة وعديمة المسؤولية. فثمة مشكلة أشد تعقيداً بكثير تلوح في الأفق: التغير السريع في طبيعة الصراع العسكري نفسه. فالحروب باتت أقل قابلية للاحتواء بفعل انتشار الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة وتطورها وانخفاض كلفتها. وهي تُخاض اليوم عن بُعد، وتتأرجح بين هجمات عالية الكثافة وأخرى منخفضة المستوى، ما يجعل بداياتها ونهاياتها أقل حسماً. ومن الأرجح أن تعطّل الحياة الطبيعية بطائرات مسيّرة رخيصة يسهل التضحية بها، من النوع الذي أبقى الخليج رهينة لردّ إيران على الهجمات الأمريكية، وجعل حرب السودان بلا خط جبهة واضح، وحول «وقف إطلاق النار» في غزة إلى هجوم أقل حدة لا أكثر.
لقد كان اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2026 دراسة حالة في أمور كثيرة: تآكل القانون الدولي، والمنظومة الهشة التي ورّثها، وتسارع انهيار المجتمع الدولي، وأهمية العزم على رعاية الضحايا بأي صورة. لكننا ندخل أيضاً حقبة بدأ فيها المتحاربون أنفسهم يتعاملون مع الحرب اللامتماثلة ومع وضع راهن عصيّ على التحديد. ويكثر الحديث عن «ما سيأتي بعد ذلك»: توازن بين القوى المتوسطة في تكتل متماسك؟ أم قطيعة مع الولايات المتحدة وتصدّع داخل الناتو؟ أم فوضى عدمية شاملة؟ نحن البشر نميل إلى التفكير بسيناريوهات واضحة المعالم. والأرجح هو ما تجلّى الأسبوع الماضي في نيويورك: حالة مطولة من التوتر الدائم والفوضى، في ظل قادة لا يكترثون، مأخوذين بما أدركوا أنهم قادرون على الإفلات به، بلا خطة للخروج، فيما لا يجد باقي النظام خياراً سوى العمل معهم وحولهم لتخفيف عواقب أفعالهم بأي وسيلة. إنه نظام عالمي جديد قوامه «الاستسلام الفاعل».
