لم تكن العاصمة الخرطوم بمنأى عن آثار الحرب وما خلفته من دمار طال عدداً كبيراً من المنشآت والمباني والمعالم والمواقع التاريخية، فضلاً عن منازل المواطنين، إلى جانب ما تعرضت له الممتلكات العامة والخاصة من أعمال تخريب ونهب واستباحة.
وكانت الشرطة السودانية واحدة من المؤسسات التي طالتها آثار الدمار، حيث تعرضت مقارها ومساكن منسوبيها لأضرار واسعة، امتدت إلى البنية التحتية من شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، الأمر الذي فرض تحديات كبيرة وتكاليف متزايدة لإعادة التأهيل والصيانة واستعادة جاهزية المنشآت.
ومنذ تحرير الخرطوم، ظلت *قيادة الشرطة* تتابع بصورة مباشرة جهود إعادة تأهيل المرافق والمنشآت الشرطية، ولم تتوقف جهود فرق الصيانة والشؤون الهندسية رغم الظروف المعقدة والمخاطر التي تفرضها مخلفات الحرب، لتعود المؤسسات الشرطية تدريجياً إلى ممارسة أدوارها وخدمة المواطنين.
وفي *أبراج الشرطة بكوبر* ، برز جانب آخر من هذه الملحمة، تمثل في الجهود الكبيرة التي بذلتها الشؤون الهندسية بالشرطة لإعادة تأهيل البنية التحتية واستعادة الخدمات الأساسية. وخلال هذه الجهود، أصيب أحد العاملين إثر انفجار جسم غريب من مخلفات الحرب، ما أدى إلى فقدانه أطرافاً من جسده. نسأل الله له عاجل الشفاء، وأن يجزيه وزملاءه خير الجزاء على ما قدموه من تضحيات.
وحين اكتملت أعمال صيانة الخط الناقل للكهرباء، وجاءت لحظة إعادة الإنارة إلى أبراج الشرطة بكوبر، شارك *مدير عام قوات الشرطة، ونائب المدير العام المفتش العام، ورئيس هيئة الشؤون المالية* ، أسر الضباط المقيمين في الأبراج فرحتهم بهذه اللحظة.
وهي مشاركة طبيعية تعكس البعد المؤسسي والإنساني للشرطة؛ فالأبراج منشآت تتبع للشرطة، وساكنوها من أسر منسوبيها، والنساء والأطفال الذين عاد إليهم النور هم جزء من الأسرة الشرطية التي ظلت تتحمل تبعات الحرب وآثارها.
غير أن هذه المشاركة، التي جاءت في سياق الاحتفاء بعودة إحدى الخدمات الأساسية إلى منشأة شرطية، لم تخلُ من محاولات لتقديمها بصورة مغايرة لحقيقتها، واستخدامها مادة للنيل من قيادة الشرطة ورمزية المؤسسة.
والحقيقة أن مسيرة إعادة الإعمار لا تتوقف عند مثل هذه الأصوات، فالمؤسسات الوطنية تُقاس بما تقدمه على أرض الواقع، وبقدرتها على استعادة بنيتها وخدماتها والقيام بواجباتها تجاه الوطن والمواطن.
لقد أثبتت الشرطة السودانية، خلال هذه المرحلة، أنها ليست مجرد جهاز لإنفاذ القانون، وإنما مؤسسة وطنية حاضرة في معركة استعادة الاستقرار وتطبيع الحياة العامة وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
وفي النهاية، فإن عجلة العمل تمضي، وجهود إعادة التأهيل مستمرة، وما تحقق حتى الآن يمثل جزءاً من مسار طويل لاستعادة عافية مؤسسات الدولة. أما الأصوات التي تحاول التقليل من هذه الجهود، فلن تغير من حقيقة المشهد؛ فالميدان وحده كفيل بإظهار حجم العمل والتضحيات المبذولة من أجل عودة الحياة إلى طبيعتها.
الشرطة السودانية.. حضورٌ في الميدان، وعطاءٌ مستمر، ودورٌ لا يمكن تجاوزه في ملحمة إعادة الإعمار.
