لم تكن ليلة أمس في بيت ضيافة سفير جمهورية السودان بالقاهرة بالمعادي مجرد مناسبة بروتوكولية لتوديع سفير أنهى مهمته، فمنذ وصول الضيوف، بدا المشهد أقرب إلى استعادة جماعية لمرحلة كاملة عاشتها السفارة السودانية في القاهرة خلال نحو عامين وسبعة أشهر، وهي فترة تزامنت مع الحرب في السودان وما أفرزته من أعباء سياسية وإنسانية وقنصلية وتعليمية وثقافية واقتصادية غير مسبوقة.
في تلك الليلة، اجتمعت شخصيات سودانية ومصرية من مواقع مختلفة لتكريم الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي، سفير السودان لدى جمهورية مصر العربية والمندوب الدائم لدى جامعة الدول العربية، بحضور الفريق أول عوض بن عوف، والسفير علي يوسف وزير الخارجية السوداني السابق، والسفير هاني صلاح سفير جمهورية مصر العربية لدى السودان السابق، والسفير كريم مختار ممثل وزارة الخارجية المصرية، إلى جانب أعضاء البعثة الدبلوماسية السودانية بالقاهرة وقيادات الجالية ورجال الأعمال والإعلاميين والفنانين وممثلي قطاعات مجتمعية مختلفة.
كان الوداع عنواناً معلناً للمناسبة، لكن الكلمات التي توالت على المنصة كشفت أن الحضور أرادوا، قبل الوداع، تسجيل شهاداتهم على مرحلة لم تكن عادية في مسيرة السفارة ولا في العلاقات السودانية المصرية.
من «الوطن يحتاجك» إلى القاهرة
في كلمته، عاد عدوي إلى بداية مهمته، قائلاً إن تكليفه جاء في مارس 2024 برسالة مفادها أن “الوطن يحتاجك”، فكان رده بأن من يعيش لخدمة وطنه لا يدخر وسعاً في سبيله.
ومنذ ذلك التكليف، وجد السفير نفسه أمام واقع دبلوماسي مختلف؛ حرب تدور في السودان، وأعداد كبيرة من السودانيين في مصر، وملفات قنصلية وخدمية متزايدة، إلى جانب الحاجة إلى الحفاظ على التواصل السياسي وتعزيز العلاقات الثنائية.
عدوي لم يقدم التجربة باعتبارها جهداً فردياً، بل نسب جانباً كبيراً منها إلى فريق السفارة، متحدثاً عن الدبلوماسيين والإداريين والماليين والموظفين والعمال المحليين والمتعاونين والمتدربين، قائلاً إنهم تحولوا مع الوقت من زملاء في العمل إلى “عائلة ثانية” تقاسمت صعوبة الأيام وجمالها.
وأكد أن هدف السفارة لم يكن خدمة السودانيين وحدهم أو المصريين وحدهم، وإنما خدمة البلدين الشقيقين، مشيراً إلى أن مفهوم «التشبيك» كان أحد الأفكار التي ساعدت في إدارة كثير من الملفات خلال فترة عمله.
السفير علي يوسف: شهادة من داخل الخارجية
السفير علي يوسف، وزير الخارجية السوداني السابق، قدم في كلمته شهادة من واقع معرفته بعدوي داخل مؤسسة الخارجية، مشيراً إلى أن الرجل أصبح جزءاً من أسرة الوزارة، وأنه تابع أداءه خلال توليه مهاماً سابقة ثم خلال مهمته في القاهرة.
وواضاف: إن الكلمات تعجز عن وصف حجم العمل الذي قام به عدوي، معتبراً أن مناسبة التكريم نفسها تعكس تقديراً واسعاً لما أنجزه خلال فترة وجوده في مصر.
وأشار علي يوسف إلى أن عدوي كان من السفراء السودانيين الأكثر حضوراً في الملفات المرتبطة بمصر والسودان، متمنياً له النجاح في محطاته المقبلة، ومعرباً عن أمله في أن تتواصل خبرته في مواقع وطنية أخرى خلال المرحلة المقبلة من تاريخ السودان.
السفير هاني صلاح: «ليست حفلة وداع»
ومن الجانب المصري، حملت كلمة السفير هاني صلاح قراءة واسعة لتجربة عدوي والعلاقات بين القاهرة والخرطوم.
وقال إن كثافة الحضور وفرحة المشاركين جعلت المناسبة تبدو أقرب إلى حفل ترحيب منها إلى حفل وداع، مؤكداً أن عدوي سيظل حاضراً في مصر وفي مساحات العلاقات بين البلدين، حتى بعد مغادرته منصبه.
وتحدث السفير المصري عن نحو 31 شهراً من العمل، مشيراً إلى ما وصفه بتطورات في الخدمات القنصلية والميكنة وخدمة الجالية، إلى جانب ملفات العلاقات الثنائية.
كما تطرق إلى عدد من مشروعات التعاون بين البلدين، من بينها الربط الكهربائي وتطوير ميناء وادي حلفا، وملفات إعادة الإعمار والاستثمار والبنية التحتية.
وبحسب ما عرضه السفير هاني صلاح خلال المناسبة، فإن الفترة المقبلة يمكن أن تشهد تطورات في عدد من هذه الملفات، بما في ذلك زيادة قدرات الربط الكهربائي ومشروعات مرتبطة بالنقل والموانئ والإعمار.
لكن السفير المصري توقف مطولاً عند ملف العلاقة الشعبية، داعياً الإعلام في البلدين إلى عدم تحويل الحوادث الفردية إلى صورة عامة للعلاقة بين الشعبين، ومؤكداً أن المسؤولية مشتركة في الحفاظ على الروابط التاريخية والاجتماعية بينهما.
تاريخ لا يروى من طرف واحد
لم يكتف السفير هاني صلاح بالحديث عن الحاضر، بل عاد إلى محطات تاريخية من التعاون السوداني المصري، مستشهداً بأدوار سودانية في دعم مصر خلال مراحل مختلفة.
وكانت رسالته الأساسية أن العلاقة بين البلدين لا ينبغي أن تُختزل في الأزمات الراهنة أو في سؤال «من يقدم لمن»، وإنما يجب النظر إليها باعتبارها علاقة متبادلة تشكلت عبر التاريخ والجغرافيا والنيل والمصالح والروابط الاجتماعية.
وفي مناسبة تجمع مسؤولين ومجتمعاً مدنياً وإعلاميين وفنانين، بدت هذه الرسالة واحدة من أكثر القضايا حضوراً في النقاش: كيف يمكن الحفاظ على العلاقة الشعبية بين البلدين وسط ضغوط الحرب والهجرة والاقتصاد والإعلام؟
السفارة من الداخل: التفاني والعطاء والإنجاز
السفير عمر الفاروق، نائب رئيس البعثة الدبلوماسية السودانية بالقاهرة، تحدث باسم أسرة السفارة، موضحاً أن الحفل جاء للتعبير عن ثلاثة معانٍ أساسية: التفاني والعطاء والإنجاز.
وأشار إلى أن عدوي أمضى 42 عاماً في القوات المسلحة السودانية قبل انتقاله إلى العمل الدبلوماسي، وأنه تولى سفارة السودان في القاهرة في ظروف استثنائية.
وقال إن السفارة تعاملت خلال هذه المرحلة مع ملفات الصحة والتعليم والثقافة والإعلام والمبادرات المجتمعية، إلى جانب قضايا الجالية والعلاقات الثنائية وتمثيل السودان في جامعة الدول العربية.
وأكد أن البعثة ستواصل العمل على الملفات التي أصبحت جزءاً من أولوياتها خلال المرحلة الماضية، وفي مقدمتها قضايا السودانيين في مصر وتعزيز العلاقات مع الدولة المصرية والدفاع عن المصالح السودانية.
الثقافة والتراث.. ملف آخر في زمن الحرب
ومن زاوية مختلفة، تحدث السفير علي مهدي، سفير الثقافة والفنون باليونسكو، عن دور القاهرة في جهود حماية واستعادة عناصر من التراث السوداني التي تعرضت للنهب أو التهديد خلال الحرب.
وأشار مهدي إلى أن اتصالات وتحركات في هذا الملف انطلقت من القاهرة، بالتنسيق مع الجهات السودانية والمصرية المختصة ومنظمة اليونسكو.
وأكد أن عدوي كان داعماً لهذا المسار، وأن دوره لم يقتصر على الملفات السياسية والدبلوماسية، بل امتد إلى العمل الثقافي والإنساني والتربوي والاجتماعي.
وبالنسبة إلى السودان الذي يخوض حرباً لا تستهدف الإنسان وممتلكاته فقط، بل تهدد أيضاً الذاكرة والموروث الثقافي، فإن ملف التراث اكتسب خلال هذه الفترة أهمية تتجاوز حدود الثقافة إلى حماية جزء من هوية الدولة والمجتمع.
الجالية.. الوجه الآخر للدبلوماسية
رئيس المجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر، الأستاذ أحمد عوض، قدم شهادة من موقع مختلف؛ من موقع المواطن الذي يتعامل مع السفارة وخدماتها.
وأشار إلى ما وصفه بتطور في الخدمات القنصلية والصحية وخدمات الجوازات والسجل المدني، مؤكداً أن ضخامة الوجود السوداني في مصر بعد اندلاع الحرب جعلت هذه الملفات أكثر تعقيداً وأهمية.
ووجه الشكر إلى مصر قيادة وحكومة وشعباً على استقبال السودانيين، مؤكداً أن العلاقات بين الشعبين تستند إلى تاريخ طويل يتجاوز الظرف السياسي الراهن.
الاقتصاد.. محاولة إبقاء المستقبل مفتوحاً
أما ممثلو قطاع الأعمال، فركزوا على الجانب الاقتصادي من التجربة، مشيرين إلى الجهود الرامية إلى إبقاء قنوات التواصل بين رجال الأعمال والمستثمرين في البلدين مفتوحة.
وتحدث ممثلو القطاع عن ملفات الاستثمار وإعادة الإعمار ومشروعات البنية التحتية، مؤكدين أن العلاقات السودانية المصرية ليست سياسية فقط، وأن الاقتصاد يمكن أن يكون أحد جسور المرحلة المقبلة.
هذه الرؤية اكتسبت أهمية خاصة في ظل الحرب، إذ لم يعد النقاش حول العلاقات الثنائية منفصلاً عن سؤال اليوم التالي للحرب، وإعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية وتهيئة البيئة اللازمة لعودة السودانيين وإعادة الإعمار.
كمال ترباس.. حين تحدث الفن نيابة عن الذاكرة
وبعيداً عن المنصات السياسية والدبلوماسية، كان الفن حاضراً في ليلة الوداع.
أحيا الحفل الفنان السوداني الكبير كمال ترباس، بمشاركة كورال مدارس أبو ذر الغفاري وعدد من الفنانين، في مشهد أعاد للأمسية لونها السوداني وسط نقاشات الحرب والدبلوماسية والجالية.
كان حضور الأطفال والطلاب والفنانين مهماً في مناسبة تحدث فيها أكثر من متداخل عن التعليم والثقافة ومستقبل السودانيين في مصر.
وهكذا لم تكن الموسيقى فاصلاً بين الكلمات، بل أصبحت جزءاً من الرسالة الأوسع التي حملتها الأمسية: أن المجتمع السوداني، رغم الحرب والنزوح، لا يزال يحتفظ بقدرته على صناعة الفرح والاحتفاء والتمسك بذاكرته.
دروع الوفاء.. شهادة من مؤسسات متعددة
في ختام الحفل، توالت دروع التكريم من قطاعات ومؤسسات سودانية ومصرية متعددة.
وشملت التكريمات الملحقية العسكرية بسفارة السودان بالقاهرة، ومنظومة الصناعات الدفاعية السودانية، والمستشارية الفنية، والشركة المصرية السودانية، ونادي الهلال للتربية البدنية، والبنك الأهلي المصري، وقناة العنوان، وشركة تاركو للطيران، واتحاد الفنانين السودانيين بمصر، وجمعية الصحفيين السودانيين، ومبادرة إسناد، والمستشارية الطبية، وجمعية الصداقة السودانية، واتحاد أصحاب العمل السوداني، ورابطة الصحافة الإلكترونية، وجمعية دنقلا للتراث والثقافة، ومجموعة النصر للصناعات الغذائية، وإدارة الشؤون الإدارية بالسفارة، وبيت السودان، وشركة بدر للطيران، وشركة راصد للإنشاءات، ورابطة أبناء ودمدني بمصر، والمجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر،، وإدارة الجوازات والسجل المدني، وشركة العزيزية للنقل، والمستشارية الثقافية، إلى جانب درع الوفاء المقدم من سفارة السودان بالقاهرة ومندوبية السودان الدائمة لدى جامعة الدول العربية.
وتولى تقديم الدروع ممثلون عن تلك الجهات، من بينهم السفير عمر الفاروق، ومصعب البرضي وعلي سعد، والمستشار غريب الله، والأستاذ نصر الدين، والمهندس رامي كمال، والأستاذ إسماعيل، والأستاذة نسرين النمر، والأستاذ عبد الرازق محمد، والأستاذ عادل الصل، والدكتورة نجوى، والدكتورة فهيمة، والأستاذ أسامة توفيق، والأستاذ جوزيف مكين إسكندر، والأستاذ عماد السنوسي، والدكتورة ست البنات حسن، والأستاذ إبراهيم بدر الدين، والأستاذ محمد سعدابي، والأستاذ أحمد عوض، والعقيد وليد، والأستاذان عبد اللطيف وأحمد العزيزية، والدكتور عاصم أحمد حسن، والأستاذان معتصم وعثمان، والأستاذ محمد عصمت داوود.
عدوي.. من موقع السفير إلى ذاكرة المرحلة
في نهاية كلمته، لم يقدم عدوي حصيلة رقمية لإنجازاته، بل اختار لغة مختلفة؛ تحدث عن الامتنان، وعن الناس الذين وقفوا إلى جانبه، وعن الصبر، وعن أن أثر الإنسان أهم من عدد السنوات التي قضاها في موقعه.
وقال إن السنوات التي يقضيها الإنسان في خدمة الوطن لا تقاس بالأيام، وإنما بما تتركه من أثر في القلوب والعقول والواقع، وربما كانت هذه الجملة هي الأكثر اختصاراً لليلة كلها.
فالتكريم لم يكن احتفالاً بمنصب ينتهي، بقدر ما كان محاولة لتوثيق مرحلة تولت فيها السفارة السودانية بالقاهرة أدواراً تجاوزت التمثيل الدبلوماسي التقليدي، لتلامس حياة ملايين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم في مصر بفعل الحرب.
ما بعد الوداع
مع مغادرة عدوي منصبه، تستعد السفارة السودانية بالقاهرة لمرحلة جديدة، وسيأتي سفير جديد ليحمل ملفات لم تعد كما كانت قبل الحرب.
فالجالية السودانية في مصر أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة العلاقات بين البلدين، والملف القنصلي اكتسب وزناً مضاعفاً، والتعليم والصحة والثقافة والإعلام والاقتصاد والعودة وإعادة الإعمار أصبحت جميعها جزءاً من المشهد الدبلوماسي.
وفي هذا المعنى، فإن انتقال السفير من موقعه لا يعني انتهاء الملفات التي عمل عليها، بل انتقالها إلى مرحلة أخرى ومسؤولية جديدة.
في بيت ضيافة السفير بالمعادي، انتهت ليلة الوداع بالتصفيق والدروع والموسيقى، لكن خلف المشهد الاحتفالي بقي السؤال الأكبر مفتوحاً:
كيف ستواصل الدبلوماسية السودانية في القاهرة إدارة مرحلة الحرب، ثم الانتقال إلى مرحلة العودة وإعادة الإعمار، والحفاظ في الوقت نفسه على واحدة من أكثر علاقات السودان الخارجية اتصالاً بحياة شعبه اليومية؟
