دبلوماسية المخابرات العامة.. من أمن الدولة إلى حماية المصالح الوطنية

لم تعد الحروب الحديثة تُحسم بالسلاح وحده، كما لم تعد حماية الأمن القومي مهمة داخلية محضة. فالمعلومة، والعلاقات، وفهم البيئة الإقليمية، وإدارة المخاطر، أصبحت جميعها أدوات في حماية الدولة ومصالحها.
من هنا يبرز مفهوم «دبلوماسية المخابرات»؛ لا باعتباره بديلاً عن الدبلوماسية الرسمية، وإنما مساراً موازياً تتحرك من خلاله الدولة في الملفات التي تتقاطع فيها السياسة بالأمن.
وفي السودان، فرضت الحرب هذا التحول بوضوح. فالحرب لم تعد شأناً داخلياً منفصلاً عن الإقليم؛ بل ارتبطت بالحدود، وحركة السلاح، والمرتزقة، والإرهاب، والهجرة، وأمن البحر الأحمر، ومواقف القوى الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، تكتسب التحركات الخارجية الأخيرة لمدير جهاز المخابرات العامة، الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، دلالة تتجاوز مجرد الزيارات واللقاءات.
فمن واشنطن، حيث برزت ملفات مكافحة الإرهاب والتنسيق الأمني وأمن البحر الأحمر، إلى الانفتاح على الحوار مع دول الجوار، ثم المشاركة في منتدى باكو للأمن واللقاءات مع رؤساء أجهزة أمنية واستخباراتية، تتشكل ملامح حضور أمني خارجي أكثر اتصالاً بالمصالح الوطنية السودانية.
والأهمية هنا ليست في عدد اللقاءات، وإنما في طبيعة الوظيفة التي تؤديها.
فجهاز المخابرات يستطيع، إلى جانب دوره الأمني الداخلي، أن يوفر للدولة قراءة مبكرة للتهديدات، وتقديرات للمواقف، وقنوات اتصال مع الأجهزة النظيرة، ومعلومات تساعد صانع القرار على فهم البيئة المحيطة بالسودان.
وهذا لا يعني أن المخابرات تحل محل وزارة الخارجية. فالدبلوماسية الرسمية تظل صاحبة الدور السياسي والقانوني في إدارة علاقات الدولة. لكن الدبلوماسية الأمنية والاستخباراتية يمكن أن تكون رافداً مهماً للدبلوماسية الوطنية وصناعة القرار.
أما في «معركة الكرامة»، فقد ظهر الوجه الميداني للجهاز في مشاركته المعلنة في محاور الحرب ومواجهة التهديدات الأمنية. لكن قيمة العمل الاستخباراتي لا تقاس فقط بما يظهر أمام الكاميرات؛ فجزء أساسي من طبيعته يقوم على العمل غير المعلن.
وهنا يصبح السؤال الأهم: كيف تتحول المعلومة والعلاقات والخبرة الأمنية إلى قيمة استراتيجية تخدم الدولة؟
أعتقد أن هذا هو التحدي الحقيقي للمرحلة المقبلة.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى إدارة الحرب، وإنما إلى إدارة مصالحه الوطنية في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى دبلوماسية المخابرات باعتبارها أحد روافد القوة الوطنية: تحمي الأمن القومي، وتدير المخاطر، وتفتح قنوات التفاهم، وتدعم القرار الوطني، دون أن تحل محل المؤسسات الدبلوماسية والسياسية.
لقد فرضت الحرب إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي السوداني.
فالمعركة لم تعد فقط في الميدان؛ جزء منها في المعلومة، وجزء في العلاقات، وجزء في القدرة على قراءة ما وراء الأحداث قبل أن تتحول إلى تهديدات.
وهنا تبدأ دبلوماسية المخابرات.
د. شذى الشريف
مدير مركز الشريف للدراسات والإعلام والتدريب

Exit mobile version