كلام الآخرة – الصافي سالم – إنه الموت أيها الناس أباذر الجاك والوداع الذي لم نعلم أنه الأخير

في صباح يوم الثلاثاء، وكعادته التي ألفتها منه، تفقدني صديقي ورفيق دربي أباذر حسين الجاك عبر الهاتف. كان الاتصال أمراً معتاداً بيننا، لكنه هذه المرة لم يكتفِ بالسؤال والاطمئنان، بل أصرّ على مقابلتي، وكأن شيئاً خفياً كان يدفعه لأن نلتقي وجهاً لوجه للمرة الأخيرة.لبّيت رغبته، وذهبت إليه في شارع البرلمان، مقر مدينة الحاكم، وجلست معه دون أن يخطر ببالي للحظة أنني ألبي موعداً مع الوداع، وأن تلك الجلسة ستكون آخر لقاء يجمعني بصديق العمر ورفيق الدرب.لم أكن وحدي شاهداً على ذلك الوداع الأخير؛ فقد كان معنا عدد من زملاء المهنة الذين التقوه وتحدثوا معه ورأوا ابتسامته المعهودة. كان أباذر كما عرفناه دائماً: بشوشاً، قريباً من القلب، يحمل هموم زملائه، ويتحدث عن عمله وسفره وترتيبات أيامه القادمة، بينما كان قدر الله قد كتب له موعداً آخر لا يعلمه إلا هو سبحانه.إنه الموت أيها الناس يأتي بلا موعد نعرفه، ولا يمنحنا فرصة لنقول لمن نحب: تمهّل قليلاً، فما زال في القلب حديث لم نقله، ولقاء ننتظره، وذكريات نريد أن نصنعها معاً.وفي لحظة لم نستوعب سرعتها، غادر صديقي ورفيق الدرب أباذر حسين الجاك هذه الدنيا؛ الرجل الذي عرفناه خادماً لزملائه من أصحاب وكالات السفر والسياحة، وللحجاج والمعتمرين، لا يكل ولا يمل، ولا تفارق الابتسامة وجهه مهما ازدحمت عليه مشاغل الحياة.كان قبل رحيله ممسكاً بهاتفه، يستعد لإجراء مكالمة يؤكد فيها موعد مغادرته إلى المملكة العربية السعودية يوم الخميس، ولكن كان للقدر موعد آخر؛ فقد جاء الأجل الذي لا يتقدم ولا يتأخر.
قال تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾.
وما رأيت في حياتي فراقاً بهذه السرعة. موقف هزني من أعماقي وذكّرني بحقيقة الدنيا وقِصرها؛ فالإنسان يرتب لسفر الخميس، ويحجز مواعيده، ويخطط للغد، بينما يكون موعد الرحيل المكتوب أقرب من كل تلك المواعيد.ولا نزكي على الله أحداً، ولكننا عرفنا أباذر طيب المعشر، بشوش الوجه، محباً للناس، ساعياً في قضاء حوائجهم، وستظل سيرته الطيبة ومواقفه بين زملائه شاهدة له بإذن الله.قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.نعزي أنفسنا، ونعزي أهله وذويه وأطفاله وأسرته الممتدة، وأهله بالجزيرة، وجميع أصدقائه وزملائه في قطاع السفر والسياحة ووكالات الحج والعمرة، وكل من عرف أباذر وأحبه وتعامل معه.
نسأل الله أن يغفر له ويرحمه، وأن يكرم نزله ويوسع مدخله، وأن يجعل ما قدمه من خير وخدمة للناس في ميزان حسناته، وأن يربط على قلوب أطفاله وأسرته ومحبيه ويلهمهم الصبر والسلوان.نم قرير العين يا أباذر.بالأمس كنت بيننا تبتسم وتتحدث عن سفر الخميس، واليوم تركت لنا الذكريات والدعوات والدموع.لقد رحلت سريعاً يا صديقي، ولكن أصحاب السيرة الطيبة وإن غابت أجسادهم، تبقى مواقفهم وأسماؤهم حاضرة في القلوب.إنا لله وإنا إليه راجعون، وكلنا على الدرب ماضون.اللهم ارحم أباذر حسين الجاك، وأحسن خاتمتنا جميعاً، واجمعنا بمن نحب في مستقر رحمتك.

Exit mobile version