عندما يجتمع الإعلاميون من أجل السودان، فإن قيمة اللقاء لا تقاس بعدد الحاضرين وحده، وإنما بما يفتحه من آفاق للحوار، وما يحمله من رؤى يمكن أن تسهم في بناء الوطن وصناعة مستقبله.
ومن هذا المنطلق، فإن انعقاد المؤتمر الإعلامي الذي نظمه اتحاد الصحفيين السودانيين بالخرطوم، بمشاركة نخبة من الإعلاميين والصحفيين، وبحضور عدد من قيادات الدولة، يمثل خطوة مهمة تستحق التقدير، لما يمكن أن يفتحه من آفاق للحوار، وتبادل الرؤى، واستشراف دور الإعلام في بناء السودان ونهضته.
لقد اجتمع في هذا المؤتمر إعلاميون وصحفيون لهم أسماء لامعة، وتجارب ثرة، وبصمات واضحة في مسيرة الإعلام السوداني، وكان لبعضهم إسهام مؤثر في معركة الكرامة، وفي الدفاع عن الوطن وقضاياه.
والإشادة بالحاضرين لا تعني بحالٍ من الأحوال الانتقاص من الغائبين.
فالسودان أكبر من أن تختصر قضاياه في مجموعة، وأرحب من أن تتسع رؤيته لصوت واحد، مهما كان هذا الصوت مهماً ومؤثراً.
ولعل من أجمل ما يمكن أن نقرأ به مشهد هذا المؤتمر، أن ننظر إلى الذين تمنوا المشاركة ولم تتح لهم فرصة الحضور، بعين التقدير لا بعين اللوم.
فحين يقول إعلامي: لماذا لم أكن ضمن المشاركين؟ فليس بالضرورة أن يكون اعتراضه على زملائه الذين حضروا، أو تقليلاً من شأن المؤتمر، وإنما قد يكون تعبيراً عن رغبة صادقة في أن يكون له دور، وأن يُسمع صوته، وأن يضع تجربته وفكرته وخبرته في خدمة وطنه.
وهذه، في جوهرها، غيرةٌ وطنية نبيلة، وشعورٌ إيجابي ينبغي أن نحتفي به لا أن نختلف حوله.
فمن حضر يحمل رسالة، ومن غاب وكان يتمنى الحضور يحمل رسالة أيضاً.
الأول قال بحضوره: أنا هنا لأشارك في صناعة الرؤية.
والثاني قال برغبته في المشاركة: لديّ ما أقدمه، وأريد أن أكون جزءاً من هذه المسيرة.
وكلاهما جدير بالتقدير.
إن بناء السودان لا يحتاج إلى إقصاء صوت لصالح صوت، ولا إلى انتصار فئة على أخرى، وإنما يحتاج إلى أن تتسع صدورنا لبعضنا، وأن نؤمن بأن اختلاف المواقع لا يعني اختلاف الغايات.
فالإعلامي الذي وقف إلى جانب وطنه في أحلك الظروف، والإعلامي الذي يملك رؤية لم تتح له فرصة طرحها، كلاهما رصيدٌ من أرصدة هذا الوطن.
وإذا كان المؤتمر قد جمع نخبة من الإعلاميين، فإن الأمل أن تتسع الدائرة، وأن تتاح الفرصة في اللقاءات القادمة لمشاركة أوسع، تضم مختلف الأصوات والخبرات، وتفتح المجال أمام كل من لديه فكرة أو تجربة أو مقترح يمكن أن يسهم في بناء السودان.
وقد كان من الإشارات الإيجابية أن تبرز ضمن توصيات المؤتمر فكرة اللقاء الجامع للمسجلين باتحاد الصحفيين؛ وهي خطوة يمكن أن تعزز التواصل، وتجمع الخبرات، وتفتح أبواب المشاركة أمام الجميع.
إن السودان في مرحلة لا تحتمل أن نخسر فيها بعضنا بسبب اختلاف في الدعوات، أو تباين في وجهات النظر.
نحن بحاجة إلى أن نلتقي حول ما يجمعنا، وأن نحسن قراءة المواقف، وأن نمنح النوايا الطيبة مساحة في قلوبنا.
فالمؤتمر ليس نهاية الطريق، وإنما يمكن أن يكون بداية لمسار إعلامي أكثر اتساعاً، وأكثر تنوعاً، وأقدر على التعبير عن تطلعات السودانيين.
والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع:
إلى الذين حضروا: شكراً لكم على تلبية النداء، وعلى ما قدمتموه من خبرات ورؤى، وعلى إسهامكم في هذا اللقاء الوطني المهم.
وإلى الذين غابوا وكانوا يتمنون المشاركة: شكراً لكم أيضاً على حرصكم، وعلى غيرتكم، وعلى رغبتكم في أن يكون لكم دور في بناء وطنكم. فصوتكم مسموع، ورؤاكم مطلوبة، ومشاركتكم القادمة مأمولة.
ولنتذكر دائماً أن الوطن لا يبنيه الحاضرون وحدهم، ولا يحميه الغائبون وحدهم؛ وإنما يبنيه الجميع حين تتلاقى الإرادات، وتتسع القلوب، وتعلو مصلحة السودان فوق كل اعتبار.
فليكن هذا المؤتمر خطوة نحو مزيد من اللقاءات، لا سبباً لمزيد من التباعد.
وليكن اختلافنا في الرؤى طريقاً إلى التكامل، لا مدخلاً إلى الخصومة.
وليكن إعلام السودان، بكل أطيافه وخبراته، صوتاً للوعي، ومنبراً للحوار، وشريكاً أصيلاً في معركة البناء والتعافي والسلام.
السودان يسعنا جميعاً.. والإعلام رسالة لا تكتمل إلا بتكامل أصوات أبنائه.
دام السودان عزيزاً آمناً مستقراً، ودام إعلاميوه صفاً واحداً في خدمة الوطن، مهما اختلفت مواقعهم، وتنوعت تجاربهم، وتباينت رؤاهم.
والله من وراء القصد.
رؤيا – دكتورة جميلة الجميعابي – حين يجتمع الإعلاميون من أجل السودان.. تتسع الرؤية للجميع
