> مصر تحتاج سفيرا بحجم العلاقة وأهمية الموقع
> مع كامل التقدير للسفراء العسكريين.. القاهرة تحتاج قامة من رحم الدبلوماسية السودانية
▪️ قبل تسمية سفير الخرطوم الجديد لدى القاهرة، ربما يكون من الضروري التوقف عند سؤال: من هو السفير الذي تحتاجه العلاقة السودانية–المصرية في هذه المرحلة؟ فالعلاقة مع مصر حالة استثنائية بكل المقاييس؛ جغرافيا وتاريخا وأمنا ومياها وحدودا ومصالح سياسية واقتصادية وشعبية متشابكة. وفي ظل الحرب وما أفرزته من تعقيدات إقليمية وأمنية وإنسانية، أصبحت القاهرة واحدة من أهم دوائر الحركة السياسية والدبلوماسية السودانية.
▪️ وبالنظر إلى التجربة المصرية نفسها، نجد أن القاهرة تعاملت تاريخيا مع سفارتها في الخرطوم باعتبارها سفارة ذات طبيعة خاصة، واختارت لها دبلوماسيين من مستويات متقدمة، وذوي صلة مباشرة بمراكز القرار والملف السوداني، ثم عاد بعضهم إلى مواقع متقدمة في وزارة الخارجية المصرية. وفي هذا السياق تروى واقعة عن السفير المصري المخضرم نبيل فهمي، إذ سئل عن تجربته في قيادة “أهم سفارة لمصر في أهم دولة”، في إشارة إلى واشنطن، وكانت إجابته، بحسب الرواية، أن الولايات المتحدة ليست أهم دولة لمصر، وأن السودان هو الأهم.
▪️ لذلك تحتاج مصر إلى سفير سوداني بمكانة وقامة وزراء الخارجية السابقين، أو من هم في مستواهم المهني والسياسي. وليس المقصود بالضرورة أن يكون السفير وزيرا سابقا، وإنما أن يأتي الاختيار من مستوى الشخصيات التي جمعت بين الخبرة الدبلوماسية والقدرة السياسية. ويمكن استحضار نماذج مثل الدكتور علي يوسف، والسفير عمر صديق، إلى جانب كمال حسن علي، وعبدالمحمود عبدالحليم، الحارث ادريس، ويوسف الكردفاني، وعبدالغني النعيم، وغيرهم من أبناء الدبلوماسية السودانية الذين راكموا خبرات سياسية ومهنية في ملفات ومواقع مختلفة.
▪️ ومع كامل التقدير للسفراء الذين جاءوا من خلفيات عسكرية، فإن طبيعة المهمة في القاهرة تجعل الاحتراف الدبلوماسي والخبرة السياسية والقدرة على إدارة العلاقة في مقدمة معايير الاختيار. فالقاهرة تحتاج إلى سفير دبلوماسي سياسي محترف، واسع الأفق، قادر على التحرك في المساحات الرسمية وغير الرسمية، وقراءة ما تقوله القاهرة وما لا تقوله، وإدارة المصالح والخلافات بكفاءة وهدوء.
▪️ فإذا كانت القاهرة تختار للسودان سفراء من مستويات متقدمة، وتتعامل مع سفارتها في الخرطوم باعتبارها دفاعا متقدما عن أمنها القومي ومصالحها العليا، فإن السودان بحاجة إلى سفير في القاهرة يستطيع أن يكون شريكا في صناعة العلاقة، لا مجرد ناقل للرسائل؛ وصوتا للدولة، لا مجرد ممثل بروتوكولي.
▪️ ليس المطلوب أن يكون السفير القادم نسخة من أحد، ولا أن تتحول هذه الدعوة إلى ترشيح شخص بعينه؛ المطلوب أن نرفع سقف الاختيار بما يوازي سقف العلاقة. فالقاهرة ليست مجرد سفارة أخرى في قائمة السفارات السودانية، وإنما موقع سياسي واستراتيجي بالغ الحساسية، خصوصا في مرحلة الحرب وإعادة تشكيل السودان وعلاقاته الإقليمية.
خلاصة القول ومنتهاه:
▪️ اختيار سفير السودان لدى مصر لا ينبغي أن يكون مكافأة نهاية خدمة أو تسوية سياسية؛ إنه قرار يتعلق بإحدى أهم أدوات إدارة العلاقة الخارجية السودانية في ظرف استثنائي.
▪️ نحتاج في القاهرة إلى سفير من قامة وزراء الخارجية السابقين، أو من هم في مستواهم المهني والسياسي؛ سفير من رحم الدبلوماسية السودانية الولود، يعرف مصر كما يعرف السودان، ويمتلك القدرة على إدارة الاختلاف قبل الاتفاق، وتحويل الروابط التاريخية إلى مصالح وشراكات ومواقف متبادلة.
فمصر لا ترسل إلى الخرطوم سفيرا عاديا.. فلماذا نرسل نحن إلى القاهرة سفيرا عاديا؟
