مرصد مشاد : 909 الف طن من النحاس هربتها قوات الدعم السريع إلى خارج السودان

كشف مرصد مشاد، استناداً إلى عمليات رصد وتقصٍّ وتتبع ميداني استمرت لأكثر من عامين ونصف، عن مؤشرات خطيرة على عمليات واسعة ومنظمة استهدفت مكونات أساسية من البنية التحتية الكهربائية في السودان، شملت تفكيك ونهب الكابلات والمحولات والمعدات الكهربائية واستخراج النحاس منها، ثم نقله وتهريبه عبر مسارات حدودية متعددة إلى خارج البلاد. وتشير المعلومات التي جمعها المرصد وتابع مساراتها إلى تورط قوات الدعم السريع وشبكات وعناصر متعاونة معها في جانب رئيسي من هذه العمليات، بما أدى إلى استنزاف واسع لأصول كهربائية مدنية وتحويل جزء من ممتلكات الدولة والشعب السوداني إلى تجارة غير مشروعة عابرة للحدود.

وبحسب نتائج الرصد والتقديرات التي توصل إليها مرصد مشاد، فإن إجمالي كمية النحاس التي تم تهريبها إلى خارج السودان تقدر بنحو 909 آلاف طن. ويرتبط هذا الحجم، وفق التقديرات الفنية التي اعتمدها المرصد في تحليل الأضرار، بعمليات واسعة لتفكيك وسرقة مكونات الشبكة الكهربائية، تقدر بنحو 165 ألف كيلومتر من الكابلات وأكثر من 20 ألف محول كهربائي، وهي أصول تمثل جزءاً جوهرياً من منظومة الخدمات العامة التي يعتمد عليها ملايين المدنيين.

ويقدر المرصد القيمة المالية الإجمالية للأصول والمكونات والمواد المرتبطة بهذه العمليات بنحو 13 مليار دولار أمريكي. ولا تقتصر هذه التقديرات على القيمة التجارية للنحاس الخام، وإنما تشمل القيمة التقديرية للأصول الكهربائية التي تعرضت للنهب والتفكيك والخسائر المرتبطة بفقدانها وتكاليف استبدالها وإعادة تأهيل الشبكات المتضررة. ويؤكد المرصد أن هذا التقييم يمثل تقديراً أولياً قابلاً للمراجعة الفنية والاقتصادية المستقلة، وأن الحجم النهائي للخسائر قد يتجاوز هذه القيمة عند احتساب الآثار غير المباشرة الناجمة عن تعطل الكهرباء والخدمات والإنتاج.

وتشير عمليات التتبع التي أجراها المرصد إلى أن النحاس المنهوب خرج من السودان عبر مسارات متعددة، من بينها مسارات باتجاه جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث تم تتبع ما يقدر بنحو 725 ألف طن، إضافة إلى أكثر من 184 ألف طن تم رصد خروجها عبر دول جوار السودان المختلفة. ويؤكد المرصد أن هذه البيانات تستوجب مطابقة مستقلة مع السجلات الجمركية وسجلات النقل والتجارة والشحن عبر الحدود، بما يسمح بتحديد الكميات النهائية ومساراتها والجهات التي شاركت في تداولها.

ويرى مرصد مشاد أن حجم هذه العمليات وطبيعة المواد المستهدفة ومسارات نقلها عبر الحدود تشير إلى نمط يتجاوز السرقات الفردية أو العرضية، وتستوجب التحقيق في احتمال وجود شبكات منظمة للتمويل والتفكيك والنقل والشراء والتخزين والتصدير، إضافة إلى تحديد الجهات التي استفادت من العائدات المالية الناتجة عن بيع المواد المنهوبة. ولا ينبغي، في هذا السياق، أن تقتصر المساءلة على المنفذين المباشرين، بل يجب أن تشمل كل من يثبت تورطه في التخطيط أو التمويل أو التسهيل أو الشراء أو النقل أو التصريف أو الاستفادة من العائدات.

ويحذر المرصد من أن تدمير ونهب مكونات قطاع الكهرباء يمثل تهديداً مباشراً للسكان المدنيين، لأن الكابلات والمحولات والمعدات التي جرى الاستيلاء عليها ليست مجرد أصول اقتصادية، وإنما مكونات أساسية لتشغيل المستشفيات والمرافق الصحية ومحطات المياه والاتصالات والمؤسسات التعليمية والخدمات العامة. ومن ثم فإن تدمير هذه المنظومة يفاقم المعاناة الإنسانية، ويقوض قدرة الدولة على تقديم الخدمات، ويرفع بصورة هائلة تكلفة إعادة الإعمار ويؤخر استعادة الحياة الطبيعية في السودان.

كما أن الخسائر المقدرة بنحو 13 مليار دولار تمثل استنزافاً بالغ الخطورة للمال العام والثروة الوطنية، وتضاف إليها خسائر اقتصادية غير مباشرة ناجمة عن تعطيل الإنتاج والخدمات والاستثمارات وارتفاع تكاليف إعادة بناء الشبكات واستيراد المعدات البديلة. ويعتبر المرصد أن حماية هذه الأصول واسترداد ما يمكن استرداده منها يجب أن تكون جزءاً أساسياً من أي عملية مستقبلية لإعادة إعمار السودان.

ويدعو مرصد مشاد دول جوار السودان إلى فتح تحقيقات رسمية ومستقلة في شحنات النحاس السوداني التي دخلت أراضيها خلال فترة الحرب، ومراجعة السجلات الجمركية والتجارية وسجلات النقل والتصدير والاستيراد، والتحقق من مصادر المواد والجهات التي قامت بشرائها أو نقلها أو تخزينها أو إعادة تصديرها. كما يدعو إلى التحقيق مع أي شركة أو وسيط أو فرد يثبت تعامله مع مواد منهوبة مع علمه بمصدرها غير المشروع، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بحقه.

ويطالب المرصد بفتح تحقيق مالي عابر للحدود لتتبع عائدات بيع النحاس والأصول الكهربائية المنهوبة، والكشف عن الشركات والوسطاء والحسابات والقنوات المالية التي استخدمت في عمليات البيع والتحويل، والعمل على تجميد واسترداد الأموال والأصول التي يثبت ارتباطها بهذه التجارة غير المشروعة، وفقاً للقوانين الوطنية والآليات القانونية الدولية ذات الصلة.

كما يدعو مرصد مشاد الحكومة السودانية إلى إجراء تحقيق وطني مستقل وشامل في عمليات نهب وتدمير قطاع الكهرباء، والتحقيق في أي دور محتمل لجهات أو أفراد سودانيين ساهموا في تسهيل هذه العمليات أو شراء المواد المنهوبة أو نقلها أو تهريبها أو توفير الغطاء لها، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان موقعه أو صفته أو انتماؤه.

ويضع المرصد هذه النتائج أمام الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والدول المجاورة للسودان والجهات القضائية والجمركية والمالية المختصة، داعياً إلى تعاون إقليمي ودولي عاجل للتحقيق في مسارات تهريب الموارد السودانية، ومنع إدخال المواد المنهوبة إلى الأسواق الإقليمية والدولية تحت غطاء التجارة المشروعة، وضمان استرداد الأصول والعائدات التي يثبت خروجها من السودان بصورة غير قانونية.

ويؤكد مرصد مشاد أن الأرقام الواردة في هذا البيان تمثل نتائج رصد وتقديرات أولية للمرصد، وأن تحديد القيمة النهائية للأضرار والكميات والمسؤوليات الجنائية يجب أن يخضع لمراجعة فنية ومالية وتحقيقات مستقلة قائمة على الأدلة. ويضع المرصد ما لديه من معلومات ووثائق وبيانات أمام الجهات المختصة، وفق الأطر القانونية والمهنية التي تكفل حماية مصادر المعلومات والشهود وسلامة الأدلة.

إن تهريب ما يقدره المرصد بنحو 909 آلاف طن من النحاس، وما يرتبط به من خسارة تقدر بنحو 165 ألف كيلومتر من الكابلات وأكثر من 20 ألف محول كهربائي، وبقيمة مالية إجمالية تقدر بنحو 13 مليار دولار أمريكي، يمثل، إذا تأكدت هذه النتائج من خلال التحقيق المستقل، واحدة من أخطر عمليات استنزاف البنية التحتية والموارد العامة في السودان خلال الحرب، ولا يجوز أن تمر دون تحقيق ومساءلة واسترداد للموارد والأموال التي خرجت من البلاد بصورة غير مشروعة.

ويجدد مرصد مشاد دعوته إلى إنصاف الشعب السوداني وحماية مقدراته الوطنية، ويطالب المجتمع الدولي والدول المجاورة للسودان بالتعاون الجاد في كشف شبكات النهب والتهريب، وملاحقة المستفيدين من عائداتها، واسترداد الأموال والأصول المنهوبة، كما يطالب السلطات السودانية بمحاسبة كل من أسهم في تدمير ممتلكات الدولة والشعب أو سهل الاستيلاء عليها، باعتبار أن حماية الموارد العامة والبنية التحتية المدنية حق أصيل للشعب السوداني وشرط أساسي لإعادة بناء الدولة وتحقيق السلام والاستقرار والتنمية.

Exit mobile version