طالعتُ خلال الأيام القليلة المنصرمة قصصاً مختلفة عن حالات احتيال مالي، واختراقات طالت هواتف بعض الأفراد، بخصوص المعاملات المالية الإلكترونية، لحسن الحظ تم تعطيلها في اللحظات الأخيرة، ولا أعرف شخصاً في بلادي لا يحمل في هاتفه تطبيقاً مالياً، تحديداً “بنكك”، حتى تكاد تكون الأسرة السودانية برمتها – من الخرطوم إلى تكساس، ومن القاهرة إلى طوكيو – أعضاءً في هذه الشبكة المالية العابرة للحدود.
من الطبيعي جداً أن ينزعج الناس من قصص الاحتيال، سمه الاختراق إن شئت، ولكن قبل أن نفزع، نقلق، يجدر بنا أن نعرف أُسّ المشكلة، وأسبابها، ومن أين يأتي الخطر!
من دروس المحنة ذلك الحرص الشديد على الحفاظ أموالنا، والدخول طواعية في عالم الرقمنة، وقد صحِب النَّاسُ قبْلنا ذا الزَّمانا، بالضرورة كان ثمة “لص”، منذ عرف الإنسان المال والمقايضة، أو كما أخبرنا المتنبى “كلَّما أنبتَ الزمانُ قناةً ركّبَ المرءُ في القناةِ سِنانَا” .. العالم اليوم ينام ويستيقظ داخل هذه العلبة الزجاجية الصغيرة، وعبرها ندفع، نشتري، نبيع، نحول الأموال، ونجري معاملاتنا في دقائق، بعد أن كانت تحتاجه بالأمس طوابير طوال، وأختام، وركض بين المكاتب.
لكن.. لكل ثورة عظمى وجهٌ آخر، اللص في العصر الرقمي.. لم يختفِ أو يتوب، فقط غيّر أدواته! خلع جلبابه القديم وارتدى “عباءة التكنولوجيا”، ركب في القناة سنانا، كان يراقب جيبك ليسحب المحفظة، فأصبح يراقب هاتفك. وكان يبحث عن مفتاح الباب، فأصبح يطارد “كلمة المرور”.
وهنا ينبغي أن نفهم أصل الحكاية، غالبية الأنظمة الرقمية اليوم تعتمد على رقم الهاتف كعنصر رئيسي للتعريف بالهوية وإرسال رموز التحقق (OTP). وما يحدث غالباً ليس “اختراقاً” لأنظمة بنك الخرطوم أو تطبيق “بنكك” كنظام حماية، في واقع الأمر، الحقيقة التي يجب أن تعرفها، هو عمل خبيث يُعرف عالمياً بـ (SIM Swapping) أو “الاستيلاء الاحتيالي على شريحة الهاتف”.
كيف تتم اللعبة؟
ينجح المحتال – عبر مستندات مزورة، أو توكيل مشبوه، أو استغلال ثغرة لدى منفذ خدمة الاتصالات – في استخراج “بدل فاقد” لرقم هاتفك. في تلك اللحظة، يتوقف هاتفك عن الخدمة، وتبدأ شريحة اللص في استقبال كل رسائل التحقق الخاصة بحساباتك المصرفية وإيميلاتك.
إذن، الباب لم يُكسر من جهة البنك، ركز جيداً، لقد سُرقت الشفرة من بوابة شركة الاتصالات!
حين يسرق أحدهم مفتاح بيتك ويدخل به، لا نلوم مهندس البناء ولا قفل الباب، فقط نسأل: كيف وصل المفتاح إلى يد الغريب؟ ففي كثير من الأحيان “الشاهد الذي لا ينسى”. المعاملات المالية تترك أثراً، ولها مسارات وتوقيتات يمكن للجهات الأمنية تتبعها والقبض على الجاني. لكن الوقاية تبقى دائماً خيرٌ من الانتظار.
المعركة الحقيقية لحماية أموال الناس تبدأ من أضعف حلقاتنا:
* شرائح الاتصال (بدل فاقد): يجب أن تخضع لضوابط أمنية صارمة جداً، وألا تُسلّم إلا لصاحب الرقم شخصياً مع بصمة حية، مع تضييق الخناق على التوكيلات المزورة.
* المصارف المالية عليها التوسع في وسائل “المصادقة متعددة العوامل” (MFA) وألا تكتفِ برقم الهاتف وحده، من المهم أن تعتمد البصمة الحيوية وتقنيات السلوك المالي غير المعتاد.
* بدلاً من العناوين المدوية مثل “اختراق بنكك”، يجب التحقيق في الواقعة اولا هل سُرقت بيانات العميل عبر رابط مزيف؟ أم أُخذت شريحته؟ أم وقع ضحية لـ “الهندسة الاجتماعية” وسلّم رموزه بنفسه؟
واجبنا اليوم ليس الخوف من التكنولوجيا ولا شيطنتها، وإنما حمايتها. والسبيل إلى ذلك خطوة واحدة متكاملة، وعيٌ ينبض عند المواطن، وحماية متطورة عند البنك، وضوابط صارمة لدى شركات الاتصالات، ويقظة تامة لدى السلطات المختصة.
عندها فقط.. لن تكون التكنولوجيا باباً يلج منه اللص، وإنما، وذلك بيت القصيد، المصيدة التي تقوده إلى قبضتها!
كثير من الأنظمة الرقمية في العالم تعتمد، بدرجات مختلفة، على الهاتف المحمول كجزء من عملية التعريف بالمستخدم أو إرسال رموز التحقق والتنبيهات واستعادة الوصول. ونجد ذلك في الخدمات المصرفية والتجارة الإلكترونية والمنصات الحكومية وغيرها، بينما تتجه الأنظمة الأكثر تطوراً إلى إضافة طبقات تحقق أخرى.
على المصارف مواكبة تطور أنظمة الحماية باستمرار، وعلى شركات الاتصالات أن تجعل الاستيلاء على رقم شخص آخر مهمة بالغة الصعوبة، وعلى السلطات أن تشدد ضوابط استخراج شرائح «بدل فاقد»، وعلى الإعلام أن ينشر ثقافة أمن المعلومات، وعلى المواطن ألا يسلم بياناته ورموز التحقق لأي شخص، فالرقمنة جاءت لتبقى.
في السودان تحديداً، حين تعطلت المؤسسات وتفرقت الأسر بين الولايات ودول الشتات، كان “بنكك” هو شريان الحياة. وقف وقفة رجال، في الشدة قبل الرخاء، عبره أرسل الأب مصاريف أسرته، وإليه استند المريض ليشتري دواءه، ومن خلاله واصل التاجر حركة البيع والشراء، واستمرت حركة مالية كان توقفها سيضاعف معاناة الناس. ومن الإنصاف القول إن القائمين على هذه المنظومة تحملوا مسؤولية وطنية كبيرة في وقت كانت فيه البلاد وأهلها في أمسّ الحاجة إلى استمرار الخدمات المالية، وبصورة لا تقل عن تجربة «نفاذ» في المملكة العربية السعودية.
وإذا كان الحرامية قد دخلوا عالم التكنولوجيا، وهذا أمر متوقع، فعلينا أن نسبقهم بخطوة، وعيٌ عند المواطن، وحمايةٌ عند البنك، وضوابطُ صارمة لدى شركات الاتصالات، ويقظةٌ لدى الأجهزة المختصة.
عزمي عبد الرازق يكتب : “بنكك” وكلمة المرور.. من المسؤول؟
