بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. صدق الله العظيم.
وعلى حد قولي:
إذا استعاد الجيشُ أرضًا بالعزائمِ واليقينْ
ضاقتْ على الباغينَ كلُّ دروبِهم بعد الحصينْ
فالحقُّ يبقى شامخًا رغمَ الخطوبِ وكلِّ حينْ
والوطنُ المحروسُ ينتصرُ إذا صدقتْ به الجبينْ
يُعد تحرير مدينة الكرمك، إذا اكتمل تثبيت السيطرة عليها وتأمين محيطها، تطوراً عسكرياً ذا دلالات استراتيجية تتجاوز حدود ولاية النيل الأزرق، لأنه يعيد رسم ميزان السيطرة على أحد أهم المحاور الحدودية الحساسة. فالكرمك ليست مجرد مدينة حدودية، بل عقدة مواصلات ومحور مراقبة يتحكم في مساحات واسعة من خطوط الحركة والإمداد بين الحدود الشرقية والجنوبية.
ومن منظور العلوم العسكرية، فإن السيطرة على المناطق الحدودية تعني قبل كل شيء حرمان الخصم من حرية المناورة، وتقليص خياراته اللوجستية، وفرض واقع عملياتي جديد يجبره على القتال في ظروف أكثر صعوبة. لذلك فإن أي فقدان لمثل هذه المنطقة يمثل خسارة مضاعفة؛ خسارة للأرض، وخسارة لقدرة العدو على إعادة التموضع.
لقد ظلت المناطق المتاخمة للحدود تمثل، خلال سنوات النزاع، بيئة مناسبة لحركة المليشيا والمتمردين ومرتزقة إثيوبيا وجنوب السودان، سواء للحصول على الإمداد أو إعادة تنظيم القوات أو تنفيذ عمليات التسلل. وعندما تُغلق هذه المنافذ وتخضع للرقابة العسكرية، فإن ذلك ينعكس مباشرة على كفاءة الخصم العملياتية، ويزيد من الضغوط عليه في مختلف الجبهات.
كما أن هذا التطور يفرض تحديات إضافية على القوى المتحالفة مع الحركة الشعبية بقيادة جوزف توكا، إذ تصبح مساحة الحركة أضيق، ويزداد العبء في تأمين خطوط الاتصال والمناورة. وفي الحروب الحديثة، كثيراً ما يكون فقدان حرية الحركة مقدمة لتراجع القدرة القتالية، خاصة إذا ترافق مع ضغط مستمر على محاور الإمداد.
ومن زاوية التخطيط العسكري، فإن عزل مسار أو محور حدودي لا يعني بالضرورة انقطاع كل الاتصالات، لكنه قد يحد من بعض خيارات الحركة والإمداد ويزيد كلفتها، وهو ما يمنح القوات المسيطرة أفضلية عملياتية إذا تمكنت من تثبيت مواقعها واستمرار الرقابة عليها.
وتأتي أهمية الكرمك أيضاً من ارتباطها بالعمق الاستراتيجي للنيل الأزرق، حيث إن استقرار المنطقة يفتح المجال لإعادة تأمين الطرق، وعودة الخدمات، وتحسين البيئة الأمنية، وهي أهداف لا تقل أهمية عن المكاسب العسكرية المباشرة.
إن الحروب لا تُحسم فقط بعدد المعارك، وإنما بقدرة كل طرف على الحفاظ على خطوط إمداده، وتأمين قواته، وحرمان خصمه من الموارد وحرية الحركة. ولهذا فإن أي نجاح في السيطرة على عقدة حدودية مؤثرة يمكن أن يكون جزءاً من مسار أوسع لإضعاف القدرات العسكرية للخصم إذا استُثمر ميدانياً وسياسياً.
ويبقى التحدي الحقيقي بعد التحرير هو مرحلة التثبيت، وتأمين الحدود، ومنع أي محاولات للالتفاف أو التسلل، مع تعزيز التنسيق بين القوات النظامية والأجهزة الأمنية، حتى تتحول المكاسب الميدانية إلى واقع مستدام ينعكس على أمن المواطنين واستقرار الدولة.
إن تحرير الكرامة، وفق هذا المنظور، لا تقاس فقط بما يتحقق من تقدم ميداني، وإنما بمدى قدرة القوات المسلحة على تحويل الإنجازات العسكرية إلى استقرار دائم، وبناء بيئة تمنع عودة التهديدات المسلحة مستقبلاً.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة
