في جغرافيا الروح السودانية، ثمة أماكنُ لا تُقاسُ بالمساحة، بل باتساعِ قلوبِ ساكنيها وقوةِ جذبِها للنفوسِ التائقة. “التعابة” في “أمبدة” ليست مجرد زاويةٍ للذكر، بل هي تجلٍّ حيٌّ لنموذج “التصوف السوداني الفاعل”، ذلك التصوف الذي لا يكتفي بالخلوةِ في محرابِ التبتل، بل ينزلُ إلى ميادينِ الحياة، فيطعمُ الجائع، ويجبرُ الكسير، ويصدعُ بالحقِّ في وجهِ الظلم.
سليلُ السرِّ ووارثُ المنهج
حينما نذكرُ الشيخ الطاهر أبو زيد، فنحنُ نذكرُ امتداداً لنهرٍ عظيمٍ من العلمِ والتربية، فقد كان “الابنَ الروحي” والساعدَ الأيمن للشيخ العارف دفع الله الصايم ديمة. لقد كانت علاقة الشيخين نموذجاً فذاً في “أدب الصحبة”، حيث لم يكن الشيخ الطاهر مجرد مريد، بل كان “طاهرَ السريرة” كما وصفه شيخه، مما جعله وعاءً مؤهلاً لحملِ الأمانةِ من بعده. إن انتقالَ شعلةِ المسيدِ من الصايم ديمة بعد انتقالة للرفيق الاعلي انتقلت إلى الشيخ الطاهر كان انتقالاً طبيعياً لم يقطعهُ زمان، بل زادهُ الشيخ الطاهر توقداً وتجديداً، محافظاً على صرامة المنهج الصوفي وقوته، حتى أضحت ذكرى الشيخ السنوية حدثاً يجمعُ أطياف السودان، ومحفلاً من محافلِ العزِّ والذكرِ التي تفيضُ بها النفوس. كان يبيع من ممتلكاته حتي تقام الليلة هو وابكار الشيخ الصايم ديمة وكان لة تؤم روح اخا في الله ومحبة الشيخ الصايم الي يومنا هذا لم يفترقا هو الشيخ العركي ود الطريفي احد رجال اب حراز
خاض الشيخ الطاهر ما خاض بادبة لشيخة واسرتة والسادة العركيين حتي سلم الشعلة التي لم تنطفي الي الخليفة الشيخ أحمد عبد الباقي بن الشيخ دفع الله الصايم ديمة وسلمه بادب العارفين والصالحين وكان خير عون له كما كان مع ابيه.
نقطة في بحر
”الحظيرة”.. ملاذُ الروح ومطعمُ الجسد
لقد أحسن الشيخ اختيار اسم “الحظيرة” لزاويتِه، فهي بالفعل حظيرةٌ يحمي فيها المؤمنُ إيمانَه من عواصفِ الدنيا، ويجتمعُ فيها المحبون على مائدةِ البركة. ومما يضفي على هذا المكانِ سحراً خاصاً ذلك الالتزامُ الصارم بالشعائر؛ فما إن يميلَ الظلُّ وتنتصفَ العصرُ، حتى تتعالى الأصواتُ بقراءة “البُردة”، لتغسلَ بمدائحها أدرانَ الروح، وتُذكِّرَ القلوبَ بمدحِ المصطفى ﷺ.
ولكن، لـ “الحظيرة” وجهٌ آخرٌ لا يقلُّ عظمةً عن طقوسها الروحية؛ إنه “التكية”. في “حرب الكرامة”، حينما اشتدت الخطوبُ وضاقت السبل، كانت “التعابة” الملاذَ الآمن. لم تكن مجرد تكيةٍ تقدمُ طعاماً للجسد، بل كانت مؤسسةً للتكافلِ الاجتماعيِّ في أبهى صورِه، حيثُ يتزودُ الفقيرُ بنصحِ الشيخِ وطعامِ الدار، فكانت الحظيرةُ هي “البيتُ الكبير” الذي لا يُغلقُ بابُه، واليدُ التي تمتدُّ بالخيرِ دون انتظارٍ لجزاءٍ أو شكور.
القطبُ الذي يزنُ موازينَ الحكمة
إنَّ مكانةَ الشيخ الطاهر أبو زيد اليوم في الساحةِ السودانية ليست بضاعةً مُشتراة، بل هي مكانةُ “القطب” الذي اكتسبَ احترامَه من خلالِ استقامةِ سريرتِه وثباتِ كلمتِه. فهو شيخٌ “يُجيزُ المشايخ”، ليس فقط بإجازاتِ الطريقةِ، بل بحكمتِه التي جعلت كلمتَه مسموعةً لدى الكافة، من بسطاءِ الناسِ إلى أصحابِ القرارِ في البلاد.
لقد أدرك هؤلاء جميعاً أنَّ الشيخ الطاهر يمتلكُ “بوصلةً أخلاقية” لا تخطئ، وكلمةً نابعةً من قلبٍ لا يعرفُ المراوغة. إنه يُجسِّدُ نموذجَ الشيخِ السودانيِّ الذي يمتلكُ سلطةً روحيةً تتجاوزُ السلطاتِ الزمنية، سلطةً قوامُها المحبةُ والصدقُ والنصحُ لله ولرسولهِ ولأئمةِ المسلمين وعامتِهم.
ختاماً: إرثٌ للأجيال
إنَّ بقاء “التعابة” و”الحظيرة” كمنارةٍ للذكرِ في قلبِ “أمبدة” هو رسالةٌ للأجيالِ بأنَّ التصوفَ في السودان ليس تراثاً للمتاحف، بل هو “نفسٌ حية” تتجددُ مع كلِّ ليلةٍ من ليالي “الشعبانية”، ومع كلِّ حلقةِ ذكرٍ، ومع كلِّ لقمةٍ تُقدمُ في تكية. الشيخ الطاهر أبو زيد، بحضورِه الروحيِّ وهيبتِه الربانية، سيظلُّ علامةً فارقةً في تاريخِ التصوفِ السوداني، ورمزاً للرجلِ الذي أحبَّ اللهَ، فأحبَّه خلقهُ، وجعلَ من زاويتِه حديقةً غنّاء في صحراءِ الحياةِ الدنيا.
