.
مني أركو مناوي.
يخطئ كثيرون حين يتعاملون مع ” مليشيا الدعم السريع ” و” تأسيس ” بوصفهما كيانين منفصلين ، بينما تشير الوقائع إلى أنهما يمثلان وجهين لعملة واحدة ، تجمعهما الأهداف والمصالح و المسؤوليات السياسية والأخلاقية والقانونية ، فالدعم السريع هو التنظيم العسكري الذي نشأ في ظل نظام الرئيس السابق عمر البشير ، مستنداً إلى تجنيد ذي طابع قبلي وانتقائي ، من رحم الجنجويد تحت مسميات وألقاب جديدة تخفي الإرث الثقيل الذي ارتبط بالانتهاكات واسعة النطاق في دارفور وعلى مدى سنوات ، ارتبط اسم هذا التنظيم بجرائم موثقة شملت القتل والتهجير القسري والترويع ، الأمر الذي أدى إلى تشريد ملايين المواطنين بين معسكرات النزوح واللجوء والمهجر في مختلف دول العالم كما صدرت ضدها عددا من القرارت الدولية توجه بتجريدها و محاسبتها علاوة قرارت جنائية لقادتها وقادة الدولة ولم يكن لهذا التنظيم مشروع سياسي أو وطني واضح المعالم ، بل ظل نشاطه مرتبطاً بمنطق القوة والغنيمة والسيطرة على الأرض والموارد ، مع استعداد دائم لتقديم الولاء لمن يوفر له الدعم والحماية ، كما استفاد في بعض المراحل من ترتيبات إقليمية ودولية قدمت تحت ذرائع مختلفة ، من بينها مكافحة الهجرة غير النظامية ، رغم أن الأوضاع التي ساهم في صنعها كانت من أبرز أسباب موجات النزوح والهجرة نفسها ، أما ” تأسيس ” الذي يطرح بوصفه مظلة أو مشروعاً سياسياً جديداً ، فإنه لا يستطيع التنصل من الإرث الدموي للقوى والتنظيمات المنضوية تحت رايته فالكثير من مكوناته العسكرية متهمة بالمشاركة في أحداث موثقة شملت حصار مدينة الفاشر واستهداف المدنيين فيها ، وحصار معسكر زمزم وما صاحبه من انتهاكات جسيمة ، فضلاً عن اتهامات تتعلق بجرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي ما تزال محل تحقيق وتوثيق من جهات مختلفة ومن ثم ، فإن محاولة الفصل بين ” تأسيس ” والدعم السريع تبدو محاولة شكلية أكثر منها حقيقة موضوعية ؛ إذ إن المسؤولية لا تسقط بمجرد تغيير الاسم أو إعادة صياغة الخطاب السياسي فالكيانات لا تُقاس بشعاراتها المعلنة ، وإنما بأفعال مكوناتها وسلوك القوى التي تمثلها على الأرض ،إن الجرائم والانتهاكات المنسوبة إلى الدعم السريع ، سواء في الجنينة أو ود النورة أو الخرطوم ، بما في ذلك أعمال النهب والتخريب وكسر السجون وإطلاق النزلاء والاستيلاء على المؤسسات والمصارف ، لا يمكن النظر إليها بمعزل عن القوى الحليفة أو المشاركة أو المساندة التي ارتبطت به ميدانياً وسياسياً وعليه، فإن أي مشروع سياسي ينبثق من هذه القوى أو يوفر لها غطاءً سياسياً لا يستطيع الادعاء بالبراءة من تبعات تلك الأفعال ، إن العدالة لا تعرف ازدواجية المعايير والمسؤولية لا تتجزأ وما ينطبق على الدعم السريع من مساءلة ومحاسبة يجب أن ينطبق على كل الكيانات والتنظيمات التي شاركت أو ساندت أو وفرت الغطاء السياسي والعسكري للانتهاكات المرتكبة ، فالأسماء قد تتغير ، لكن الحقائق تبقى ، والجرائم لا تمحوها الشعارات ولا تسقطها إعادة التسمية و الأدلة ، كما يراها كثير من المتابعين والضحايا والجهات الموثقة ، ليست خافية ولا غامضة، بل تشكل أساساً لأي مسار جاد نحو العدالة والمحاسبة .
بتاريخ 7/6/2026م الخرطوم
